عملاق التصنيع التايواني لم يعد مجرد الشركة التي تقف خلف أجهزة آيفون. طفرة الذكاء الاصطناعي تدفع فوكسكون Foxconn إلى قلب سباق عالمي لبناء الخوادم ومراكز البيانات التي ستشغّل الجيل المقبل من تقنيات AI .
تايبيه — لم يعد ازدهار الذكاء الاصطناعي مجرد قصة برمجيات ونماذج لغوية وروبوتات محادثة. هذه المرة، ظهر أثره مباشرة في أرباح واحدة من أكبر شركات التصنيع في العالم.
أعلنت شركة فوكسكون (Hon Hai Precision Industry)، الأربعاء، ارتفاع صافي أرباحها خلال الربع الثاني بنسبة ٣٥٪ على أساس سنوي، إلى ٥٩٫٩٧ مليار دولار تايواني، أي نحو ١٫٨٦ مليار دولار أميركي، متجاوزة توقعات المحللين التي بلغت نحو ٥٨٫٨ مليار دولار تايواني.
والرقم لا يمثل مجرد مفاجأة إيجابية للمستثمرين.
إنه مؤشر جديد على أن الإنفاق العالمي الهائل على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي لم يصل بعد إلى نهايته.
فخلف كل نموذج ذكاء اصطناعي جديد، وكل روبوت محادثة أو مولّد صور أو وكيل رقمي قادر على تنفيذ المهام، توجد آلات ضخمة ومعقدة: معالجات، وخوادم، وشبكات فائقة السرعة، وأنظمة تبريد، ومصادر طاقة، ومعدات لمراكز البيانات.
وفوكسكون تبني جزءاً كبيراً من هذه الآلات.
من آيفون إلى مصانع الذكاء الاصطناعي
لعقود، ارتبط اسم فوكسكون في أذهان المستهلكين بشركة آبل وتجميع أجهزة آيفون والإلكترونيات الاستهلاكية.
لكن هذه الصورة تتغير بسرعة.
فالشركة أصبحت مورداً رئيسياً لخوادم الذكاء الاصطناعي، ولا سيما الأنظمة المبنية حول منصات الحوسبة عالية الأداء التابعة لـإنفيديا.
ومع توسع أعمال الحوسبة السحابية والشبكات، باتت البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أحد الأعمدة الأساسية لنمو المجموعة. وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن إيرادات فوكسكون في الربع الثاني ارتفعت بنحو ٤١٪ إلى ٢٥٢٦ تريليون دولار تايواني، فيما شكّلت منتجات السحابة والشبكات، التي يهيمن عليها بشكل متزايد الطلب المرتبط بالذكاء الاصطناعي، أكثر من نصف إجمالي الإيرادات للمرة الأولى.
وهنا تكمن نقطة التحول.
فوكسكون لم تعد تكتفي بتجميع الأجهزة التي يحملها المستهلكون في أيديهم.
إنها تصنع بصورة متزايدة الآلات التي تمنح أنظمة الذكاء الاصطناعي القدرة على التفكير والحساب والاستجابة.
قفزة أرباح تتجاوز حدود تايوان
جاءت نتائج الربع الثاني أعلى من توقعات السوق، في إشارة جديدة إلى أن الطلب على القدرة الحاسوبية اللازمة لتشغيل الذكاء الاصطناعي لا يزال قوياً للغاية.
ووفق المعطيات الواردة في التقرير، تجاوز صافي الربح البالغ ٥٩٫٩٧ مليار دولار تايواني توقعات المحللين التي دارت حول ٥٨٫٨ مليار دولار تايواني، بينما أبقت الشركة على توقعاتها بتحقيق نمو قوي في الإيرادات خلال ٢٠٢٦ مدفوعاً باستمرار الطلب على تقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن المفاجأة لم تبدأ في الربع الثاني.
ففي يوليو، سجلت فوكسكون إيرادات شهرية قياسية بلغت ٩٤٦٫٥ مليار دولار تايواني، بزيادة ضخمة بلغت ٥٤٫٢٪ مقارنة بالعام السابق.
وكانت تلك المرة الأولى التي تتجاوز فيها الإيرادات الشهرية حاجز ٩٠٠ مليار دولار تايواني، مع إرجاع الشركة الجزء الأكبر من القفزة إلى الطلب القوي على منتجات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما خوادم AI ومعدات الحوسبة السحابية والشبكات.
إذن، ما يحدث ليس قفزة عابرة.
إنه تحول صناعي واسع النطاق.
فوكسكون تغيّر هويتها
كانت ملامح التحول واضحة منذ بداية العام.
ففي الربع الأول، سجلت فوكسكون صافي أرباح بلغ ٤٩٫٩٢ مليار دولار تايواني، بزيادة ١٩٪ على أساس سنوي، بينما ارتفعت الإيرادات بنحو ٣٠٪ إلى حوالي ٢٫١٢ تريليون دولار تايواني. وأشارت التقارير إلى أن محللين ربطوا جانباً مهماً من التحسن بالطفرة العالمية في الذكاء الاصطناعي.
لكن الرقم الأكثر دلالة كان في مكان آخر: تركيبة أعمال الشركة نفسها بدأت تتغير.
فقد اقترب قطاع الحوسبة السحابية والشبكات من الاستحواذ على نحو نصف إيرادات المجموعة، ما يعني أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أصبحت كبيرة بما يكفي لتخفيف الاعتماد التقليدي على دورات الطلب الموسمية في الإلكترونيات الاستهلاكية.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر ببساطة ببيع عدد أكبر من الخوادم.
إنه تغيير في طبيعة فوكسكون نفسها.
إنفيديا تحتاج إلى فوكسكون
قد تكون إنفيديا واحدة من أكبر الرابحين من ثورة الذكاء الاصطناعي، لكن شرائحها لا تعمل في الفراغ.
هذه الشرائح تحتاج إلى أن تُدمج داخل خوادم متطورة، وأن تتصل بشبكات فائقة السرعة، وأن تحصل على كميات هائلة من الطاقة، وأن تُبرّد بكفاءة تسمح لها بالعمل على مدار الساعة.
وهنا تظهر قيمة فوكسكون.
فالشركة رسخت موقعها كشريك رئيسي في تصنيع خوادم الذكاء الاصطناعي، وبدأت بالتوسع من الأنظمة التقليدية القائمة على وحدات معالجة الرسومات GPU إلى منظومة أوسع من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحلول القائمة على الدوائر المتكاملة الخاصة بالتطبيقات ASIC .
وتتوقع فوكسكون، وفق المعطيات الواردة في التقرير، أن تتجاوز حصتها ٤٠٪ من سوق خوادم الذكاء الاصطناعي العالمي خلال ٢٠٢٦، بينما تشير تقديرات مسؤولي الشركة إلى إمكانية ارتفاع شحنات خوادم AI إلى أكثر من ضعف مستويات العام السابق.
وهذا يضع فوكسكون أقرب بكثير إلى قلب اقتصاد الذكاء الاصطناعي مما توحي به سمعتها التقليدية في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية.
سباق بمليارات الدولارات
لفهم سبب تسارع أعمال فوكسكون في مجال الذكاء الاصطناعي، يكفي النظر إلى حجم الأموال التي تتدفق إلى مراكز البيانات.
شركات الحوسبة السحابية ومطورو الذكاء الاصطناعي يضخون مليارات الدولارات في البنية التحتية الحاسوبية، في سباق لا يبدو أنه سيتوقف قريباً.
وبحسب التقرير، يرى رئيس فوكسكون يونغ ليو أن موجة بناء البنية التحتية الحالية يمكن أن تستمر من ثلاث إلى خمس سنوات أو أكثر.
وفوكسكون تراهن بقوة على هذا السيناريو.
فقد توقعت الشركة في مايو/أيار أن ترتفع النفقات الرأسمالية بأكثر من ٣٠٪ خلال ٢٠٢٦، مع توجيه الاستثمارات إلى توسيع الإنتاج إقليمياً، والأتمتة، وزيادة القدرات التصنيعية.
وبذلك، لم تعد شبكة مصانع فوكسكون مجرد أصول صناعية.
لقد أصبحت جزءاً من سباق الذكاء الاصطناعي نفسه.
خريطة المصانع تتغير
لكن هناك معركة أخرى تجري بعيداً عن الخوادم والرقائق: أين سيتم تصنيع كل ذلك؟
لعقود، هيمنت آسيا على صناعة الإلكترونيات العالمية. إلا أن الرسوم الجمركية، والتوترات الجيوسياسية، ومخاطر سلاسل الإمداد، والأهمية الاستراتيجية المتزايدة للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، تدفع الشركات إلى توزيع عملياتها على مناطق متعددة.
وفوكسكون تتحرك بسرعة.
فالشركة تعمل على بناء قدرات لإنتاج خوادم الذكاء الاصطناعي في تكساس والمكسيك، فيما تظل شبكتها التصنيعية في آسيا أساسية للإنتاج العالمي للإلكترونيات.
كما تشير المعطيات إلى أن فوكسكون أصبحت تصنع بصورة متزايدة أجهزة آيفون المخصصة للسوق الأميركية في الهند.
وتتبنى الشركة نموذجاً تصفه بـ:
“ابنِ، شغّل، ووطّن ” Build, Operate, Localize .
والهدف هو تقريب الإنتاج من الأسواق والعملاء وتقليل التعرض للمخاطر الجيوسياسية والرسوم الجمركية.
وفي مايو/أيار، كان لدى فوكسكون ٢٤١ موقعاً إنتاجياً حول العالم، بالتزامن مع توسعها في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والمركبات الكهربائية، والفضاء، والقطاعات المرتبطة بأشباه الموصلات.
والرسالة هنا واضحة:
المرحلة المقبلة من تصنيع الذكاء الاصطناعي لن تحدث في دولة واحدة.
أوروبا تدخل السباق
ولا تكتفي فوكسكون بالتوسع في أميركا وآسيا.
ففي يونيو/حزيران، أعلنت الشركة شراكة استراتيجية مع شركة Bull الفرنسية المتخصصة في الحوسبة المتقدمة، بهدف تصنيع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية داخل أوروبا.
وتجمع الشراكة بين قدرات Bull في أنظمة الذكاء الاصطناعي وبين قوة فوكسكون التصنيعية وسلاسل إمدادها، باستخدام منشآت في فرنسا وجمهورية التشيك.
وخلال معرض VivaTech في باريس، استعرضت فوكسكون أيضاً قدراتها في أنظمة الذكاء الاصطناعي من الجيل المقبل، بما في ذلك بنية Vera Rubin التابعة لإنفيديا، مع تسليط الضوء على طموحاتها في مجال مصانع الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية السيادية للـAI .
وهذا يعكس اتجاهاً عالمياً أوسع.
فالحكومات تريد بصورة متزايدة أن تُبنى البنية التحتية للذكاء الاصطناعي محلياً، بدلاً من الاعتماد الكامل على مزودي خدمات سحابية بعيدين أو سلاسل إمداد خارجية.
وفوكسكون تريد أن تكون إحدى الشركات التي تبني هذه البنية.
آبل باقية.. لكن المعادلة تتغير
رغم هذا التحول، لا يعني صعود الذكاء الاصطناعي أن فوكسكون تدير ظهرها لشركة آبل.
فالشركة لا تزال من أهم شركاء آبل في التصنيع، وتواصل تجميع أجهزة آيفون وغيرها من المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية.
لكن التوازن الاستراتيجي يتغير.
فالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي تمنح فوكسكون شيئاً يصعب على سوق الهواتف الذكية الناضج أن يوفره:
محرك نمو هائل جديد، مدفوعاً بسباق تكنولوجي عالمي.
الهواتف الذكية وصلت إلى مرحلة من النضج.
أما البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فما زالت قيد البناء.
والفارق هائل.
كل جيل جديد من نماذج الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى قدرة حوسبة أكبر. وكل خدمة AI جديدة تولد طلباً إضافياً على عمليات الاستدلال. وكل شركة سحابية كبرى تتسابق لزيادة قدرتها الحاسوبية.
والنتيجة المحتملة؟
دورة نمو في قطاع العتاد قد تمتد لسنوات.
لكن الخطر يختبئ خلف الأرقام
رغم الصورة الوردية، هناك سؤال ثقيل يلوح في الأفق.
موجة بناء البنية التحتية للذكاء الاصطناعي تحتاج إلى إنفاق رأسمالي هائل.
الشركات تنفق مليارات الدولارات على مراكز البيانات قبل أن تعرف على وجه اليقين مدى سرعة تحويل هذه القدرة الحاسوبية الجديدة إلى عوائد مالية.
ومن هنا يظهر السؤال الذي يزداد إلحاحاً داخل قطاع التكنولوجيا:
ماذا لو نما الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي أسرع من إيرادات الذكاء الاصطناعي نفسها؟
فوكسكون ليست محصنة أمام المخاطر.
فالشركة تواجه عدم اليقين الجيوسياسي، والرسوم الجمركية، وتقلبات العملات، والتغيرات في الاقتصاد العالمي، حتى مع استمرارها في تبني نظرة قوية للنمو.
ثم هناك مسألة أكثر حساسية: هوامش الربح.
فخوادم الذكاء الاصطناعي قد تحمل قيمة مالية ضخمة بسبب احتوائها على وحدات معالجة رسومية ومكونات متطورة باهظة الثمن.
لكن ارتفاع الإيرادات لا يعني بالضرورة ارتفاع الأرباح بالوتيرة نفسها.
وتعقّد نماذج تصنيع خوادم AI ، بما في ذلك ملكية المكونات، وترتيبات التوريد، وعمليات دمج الأنظمة، يجعل حساب الربحية أكثر تعقيداً.
لذلك تقف فوكسكون أمام معادلة دقيقة:
ابنِ أسرع. توسّع أسرع. لكن تأكد من أن الأرقام تحقق أرباحاً حقيقية.
“درع السيليكون” التايواني يزداد سماكة
هناك أيضاً جانب جيوسياسي لا يمكن تجاهله.
صعود فوكسكون كمصنّع رئيسي للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي يعمّق ارتباط تايوان بسلاسل التكنولوجيا العالمية.
فتايوان تهيمن بالفعل على أجزاء حاسمة من صناعة أشباه الموصلات المتقدمة عبر شركات مثل TSMC .
أما فوكسكون، فتضيف طبقة أخرى إلى هذه المنظومة : دمج وتصنيع الأنظمة التي تحول هذه الرقائق إلى بنية تحتية فعلية للذكاء الاصطناعي.
وهذا يمنح تايوان قوة اقتصادية إضافية، لكنه في الوقت نفسه يزيد حساسيتها الاستراتيجية.
كلما أصبحت تايوان أكثر ارتباطاً بالبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي، أصبحت استقرارها أكثر أهمية للأسواق العالمية وقطاع التكنولوجيا.
وهنا يعود الحديث عن مفهوم “درع السيليكون“ التايواني؛ أي الدور الذي تلعبه الأهمية المحورية لتايوان في سلاسل التكنولوجيا العالمية في خلق حوافز دولية قوية للحفاظ على الاستقرار.
القصة أكبر من أرباح فصلية
قد تبدو قفزة أرباح فوكسكون البالغة ٣٥٪ مجرد نتيجة مالية قوية.
لكن خلف الرقم قصة أكبر بكثير.
إنها قصة تحول صناعي يجري تحت عناوين ChatGPT وإنفيديا ووكلاء الذكاء الاصطناعي والذكاء الاصطناعي التوليدي.
المستخدم العادي يرى البرمجيات.
فوكسكون تبني الآلات التي تقف خلفها.
مصانعها تجمع الخوادم.
وسلاسل إمدادها تحرك المكونات.
ومهندسوها يدمجون أنظمة أكثر تعقيداً.
وشراكاتها الجديدة تمد هذه البنية إلى أوروبا وأميركا الشمالية وآسيا.
أما خططها الاستثمارية، فتشير إلى أن الشركة تعتقد أن موجة بناء الذكاء الاصطناعي الحالية لم تبدأ إلا للتو.
السنوات الثلاث المقبلة قد تعيد تعريف فوكسكون
دخلت فوكسكون عصر الذكاء الاصطناعي وهي تمتلك واحدة من أكبر الشبكات التصنيعية في العالم.
والآن تحاول تحويل هذا الحجم الهائل إلى ميزة في أكثر سباقات التكنولوجيا كثافة في رأس المال في التاريخ.
الشركة توسعت بالفعل من الهواتف الذكية إلى خوادم الذكاء الاصطناعي، ومراكز البيانات، والروبوتات، والمركبات الكهربائية وغيرها من القطاعات الناشئة، فيما أصبح الذكاء الاصطناعي محوراً متزايد الأهمية في استراتيجيتها المستقبلية.
لم يعد السؤال:
هل تستفيد فوكسكون من طفرة الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة باتت واضحة.
نعم.
السؤال الحقيقي هو:
إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا التحول؟
إذا استمر الإنفاق العالمي على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة قريبة من المستويات الحالية، فقد لا تبقى فوكسكون مجرد أكبر شركة لتصنيع الإلكترونيات لحساب الغير في العالم.
قد تتحول إلى واحدة من الركائز الصناعية الأساسية لاقتصاد الذكاء الاصطناعي العالمي.
وبالنسبة إلى المستثمرين الذين يراقبون إنفيديا وآبل وسوق الذكاء الاصطناعي الأوسع، فإن فوكسكون أصبحت اسماً يستحق المتابعة عن كثب.
لأن المعركة المقبلة في عالم الذكاء الاصطناعي قد لا يحسمها فقط من يكتبون الخوارزميات…








