ترامب يعلن «سيطرة دائمة» على أمن غرينلاند… فماذا حصلت عليه أميركا فعلياً؟
اتفاق غرينلاند ٢٠٢٦: ماذا اتفق ترامب والدنمارك وغرينلاند؟
واشنطن تحصل على حضور عسكري أوسع في القطب الشمالي، فيما تؤكد كوبنهاغن ونوك أن غرينلاند لا تنتقل إلى الولايات المتحدة
واشنطن / كوبنهاغن / نوك: بعد أشهر من التهديدات والتوترات التي هزّت العلاقة بين واشنطن وحلفائها في الناتو، انتقلت أزمة غرينلاند فجأة من حافة المواجهة إلى طاولة الاتفاق.
أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن الولايات المتحدة توصلت إلى اتفاق مع الدنمارك وغرينلاند يمنح واشنطن، بحسب وصفه، “سيطرة دائمة” على أمن الجزيرة وكل ما تحتاجه الولايات المتحدة فيها.
لكن كوبنهاغن ونوك تستخدمان لغة مختلفة تماماً: تعزيز أمن القطب الشمالي وشمال الأطلسي، مع الحفاظ على سيادة مملكة الدنمارك ووحدة أراضيها وحق شعب غرينلاند في تقرير مصيره.
وهنا تكمن العقدة.
ما الذي حصلت عليه واشنطن فعلياً؟
الجواب الكامل لم يظهر بعد، لأن النص النهائي للاتفاق لم يُنشر، فيما لا يزال دخوله حيّز التنفيذ مرتبطاً بالإجراءات البرلمانية في الدنمارك وغرينلاند. ومن المقرر أن يمضي الطرفان نحو توقيعه خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع المقبل.
من «غرينلاند ليست للبيع» إلى اتفاق أمني
قبل الوصول إلى هذه النقطة، كانت الأزمة تسير في الاتجاه المعاكس تماماً.
ترامب كرر خلال الأشهر الماضية أن السيطرة الأميركية على غرينلاند ضرورية للأمن القومي، وسبق أن رفض استبعاد استخدام القوة لتحقيق أهدافه.
الدنمارك وغرينلاند رفضتا التخلي عن الجزيرة أو بيعها، فيما أثارت تصريحات واشنطن مخاوف واسعة داخل أوروبا وحلف الناتو.
أما الاتفاق الجديد، فلا ينقل غرينلاند إلى الولايات المتحدة ولا يغيّر رسمياً وضعها ضمن مملكة الدنمارك.
بدلاً من ذلك، يبدو أنه يوسّع الوصول العسكري الأميركي والبنية التحتية الدفاعية الأميركية، ويمنح واشنطن ترتيبات أمنية طويلة الأمد في الجزيرة، مع بقاء السيادة الدنماركية قائمة.
وهذا يعني أن المعركة انتقلت من سؤال: “هل ستستحوذ أميركا على غرينلاند؟” إلى سؤال أكثر دقة:
إلى أي مدى ستصبح غرينلاند منصة دائمة للقوة الأميركية في القطب الشمالي؟
“السيطرة الدائمة”… العبارة التي أشعلت الجدل
وصف ترامب الاتفاق بأنه يمنح الولايات المتحدة “سيطرة دائمة” على أمن غرينلاند.
لكن المسؤولين الدنماركيين والغرينلانديين لم يتبنوا هذا الوصف.
رئيسة الوزراء الدنماركية ميتّه فريدريكسن (Mette Frederiksen) أكدت أن الاتفاق يعترف بسيادة المملكة الدنماركية ووحدة أراضيها، وبحق شعب غرينلاند في تقرير مصيره.
كما قال رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريدريك نيلسن (Jens-Frederik Nielsen) إن الاتفاق يعترف بمصالح غرينلاند ومكانتها في التعاون الدولي.
لذلك، فإن العبارة الأكثر دقة تحريرياً في هذه المرحلة هي:
ترامب يتحدث عن «سيطرة دائمة» على الأمن؛ أما كوبنهاغن ونوك فتتحدثان عن اتفاق أمني يعزز الدفاع مع بقاء السيادة.
والفارق بين العبارتين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو جوهر الاتفاق نفسه.
روسيا والصين في قلب الحسابات
وراء اللغة الدبلوماسية توجد حسابات استراتيجية أكثر صلابة.
تقع غرينلاند في موقع بالغ الحساسية بين أميركا الشمالية وشمال الأطلسي والقطب الشمالي، ما يجعلها ذات أهمية في:
- الإنذار المبكر ضد الصواريخ؛
- مراقبة الفضاء والأقمار الصناعية؛
- الدفاع الجوي والصاروخي؛
- العمليات العسكرية في القطب الشمالي؛
- حماية طرق الملاحة الشمالية الناشئة؛
- الوصول إلى المعادن الاستراتيجية والعناصر الأرضية النادرة؛
- مراقبة التحركات الروسية والصينية.
وتشير التغطيات الأميركية إلى أن الاتفاق يستهدف أيضاً منع قوى غير أعضاء في الناتو، ولا سيما روسيا والصين، من إقامة وجود عسكري أو إجراء استثمارات استراتيجية حساسة في غرينلاند.
وفي هذا السياق، يصبح الموقع الجغرافي للجزيرة جزءاً من معادلة الأمن الأميركي في شمال الأطلسي وليس مجرد ملف إقليمي بين واشنطن وكوبنهاغن.
الولايات المتحدة موجودة أصلاً في غرينلاند
المفارقة أن واشنطن لا تبدأ من الصفر.
فالولايات المتحدة تملك منذ عقود وجوداً عسكرياً في غرينلاند، أبرز مظاهره قاعدة بيتوفيك الفضائية في شمال غرب الجزيرة.
كما يستند الوجود العسكري الأميركي إلى اتفاق دفاعي أميركي-دنماركي يعود إلى عام 1951 (1951 defense agreement with Denmark)، وقد وفر أساساً قانونياً لوجود القواعد الأميركية في الجزيرة لعقود.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة ستدخل غرينلاند عسكرياً؛ فهي موجودة بالفعل.
السؤال هو:
هل يحوّل الاتفاق الجديد هذا الوجود إلى منظومة أميركية أوسع وأكثر ديمومة؟
التغطية الأميركية تشير إلى أن واشنطن تعتزم توسيع حضورها العسكري، فيما تحدث ترامب عن بدء التخطيط فوراً لإنشاء وجود عسكري كبير في الجزيرة.
اتفاق جديد أم إعادة صياغة للترتيبات القديمة؟
هنا تظهر إحدى أهم نقاط الاتفاق.
فالترتيبات الدفاعية القائمة أصلاً تمنح الولايات المتحدة مساحة واسعة للعمل العسكري في غرينلاند.
لكن الاتفاق الجديد يبدو مصمماً لمعالجة مخاوف استراتيجية إضافية، بينها احتمال استقلال غرينلاند مستقبلاً.
وتشير التقارير إلى أن الترتيبات الجديدة تستهدف ضمان استمرار الوجود العسكري الأميركي حتى في حال تغيّر الوضع الدستوري للجزيرة، مع إبقاء غرينلاند ضمن المجال الدفاعي الاستراتيجي لأميركا الشمالية.
كما تبرز في التفاهمات المطروحة قيود على إقامة قواعد عسكرية لقوى من خارج الناتو وعلى بعض الاستثمارات الحساسة.
لكن النص القانوني النهائي وحده سيحدد حجم هذه الصلاحيات وحدودها.
الناتو يلتقط أنفاسه
أزمة غرينلاند كانت قد تحولت إلى اختبار حساس للعلاقات عبر الأطلسي.
لكن التطورات الأخيرة دفعت الحلف إلى الترحيب بالاتفاق.
وقال متحدث باسم الناتو إن الاتفاق يمكن أن يعزز الأمن والاستقرار والتعاون في منطقة القطب الشمالي وشمال الأطلسي.
وجاء الإعلان بالتزامن مع اجتماع اللجنة العسكرية للناتو في كوبنهاغن يومي 18 و19 أيلول، حيث بحث رؤساء أركان الدفاع في دول الحلف تعزيز الردع والدفاع الجماعي والتكنولوجيا والقدرات العسكرية.
وهكذا، تتحول غرينلاند من مصدر أزمة داخل التحالف إلى اختبار جديد لكيفية توزيع الأدوار الأمنية في القطب الشمالي.
أوروبا لا تريد أن تترك القطب الشمالي لواشنطن وحدها
وفي موازاة الاتفاق الأميركي، تعمل أوروبا على تعميق علاقتها بغرينلاند.
الدنمارك شددت في الأسابيع الأخيرة على ضرورة تعزيز التعاون الأوروبي في القطب الشمالي، فيما زاد الاتحاد الأوروبي اهتمامه بالجزيرة وبمشاريع البنية التحتية والطاقة والاتصالات والتنمية.
المعادلة الجديدة تبدو واضحة:
واشنطن تريد الأمن والدفاع.
أوروبا تريد حضوراً اقتصادياً وسياسياً أكبر.
وغرينلاند تريد الحفاظ على مصالحها وحقها في تحديد مستقبلها.
وهذه المصالح الثلاثة ستحدد شكل المرحلة المقبلة.
استقلال غرينلاند: الورقة التي لم تُغلق
غرينلاند تتمتع بحكم ذاتي واسع، لكنها لا تزال جزءاً من مملكة الدنمارك.
أما مسألة الاستقلال، فتظل أحد الملفات السياسية الأساسية في مستقبل الجزيرة.
ولهذا فإن أي اتفاق أمني أميركي طويل الأمد يطرح سؤالاً إضافياً:
ماذا يحدث إذا أصبحت غرينلاند دولة مستقلة؟
التقارير عن الاتفاق تشير إلى أن الترتيبات الأمنية صُممت بحيث تستمر حتى في حال تغيّر الوضع الدستوري للجزيرة.
وهذا يمنح الاتفاق أهمية تتجاوز الأزمة الحالية.
فهو لا يعالج فقط خلافاً بين ترامب والدنمارك، بل قد يرسم جزءاً من الخريطة الأمنية للقطب الشمالي لعقود مقبلة.
الاختبار الحقيقي يبدأ في نيويورك
حتى الآن، لا يزال هناك فرق بين الإعلان السياسي والاتفاق القانوني النهائي.
ترامب أعلن أن الولايات المتحدة حصلت على «السيطرة الدائمة» على أمن غرينلاند.
الدنمارك وغرينلاند تؤكدان أن السيادة لن تنتقل وأن حق تقرير المصير محفوظ.
الناتو رحب باتفاق يعزز أمن المنطقة.
والتفاصيل القانونية الكاملة لم تُكشف بعد.
لذلك ستكون الأنظار متجهة إلى نيويورك الأسبوع المقبل، حيث يُتوقع أن يلتقي ترامب بالقيادتين الدنماركية والغرينلاندية على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، تمهيداً لتوقيع الاتفاق وإحالته إلى الإجراءات البرلمانية المطلوبة.
هناك، في نص الاتفاق لا في العناوين السياسية، سيظهر السؤال الحاسم:
هل حصلت واشنطن على وصول عسكري دائم وأوسع إلى غرينلاند؟
أم حصلت على صلاحيات أمنية تتجاوز ما كان قائماً منذ عقود؟
حتى صدور النص النهائي، تبقى الإجابة مفتوحة.
لكن شيئاً واحداً أصبح واضحاً:








