١٢ ولاية تحت الاستهداف… اختراقات عطلت أنظمة التشغيل وأجبرت محطات المياه على العمل يدوياً وسط استنفار فيدرالي واسع
واشنطن – تتسابق وكالات الأمن الأمريكية لكشف خيوط واحدة من أخطر الهجمات الإلكترونية التي استهدفت البنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، بعدما امتدت حملة سيبرانية واسعة إلى ١٢ ولاية على الأقل، مستهدفة أنظمة تشغيل مرافق المياه، في تطور يثير مخاوف من تصعيد جديد في ساحة المواجهة الرقمية بين الدول.
ورغم تأكيد السلطات الأمريكية أن مياه الشرب لم تتعرض لأي تلوث ولا تزال آمنة للاستهلاك، فإن حجم الاختراقات كشف هشاشة بعض أنظمة التحكم الصناعية التي تعتمد عليها مرافق المياه، بعد أن تمكن المهاجمون من تعطيل أنظمة المراقبة والتحكم عن بُعد وإجبار عدد من المحطات على التحول إلى التشغيل اليدوي.
وبينما لم توجه واشنطن حتى الآن اتهاماً رسمياً لأي جهة، فإن التحقيقات الفيدرالية تركز على مؤشرات وأساليب تنفيذ تشبه إلى حد كبير عمليات سابقة نُسبت إلى مجموعات قرصنة مرتبطة بإيران.
من حوادث متفرقة إلى حملة منسقة
في البداية بدت الوقائع وكأنها أعطال تقنية منفصلة، لكن مع توالي البلاغات بدأت الصورة تتغير سريعاً.
فالهجمات لم تعد تقتصر على ولاية واحدة، بل امتدت إلى ولايات عدة، أبرزها:
- مينيسوتا
- ميشيغان
- جورجيا
- نيوجيرسي
- ساوث داكوتا
إلى جانب ولايات أخرى لا تزال التحقيقات جارية فيها.
وترى الأجهزة الأمنية الأمريكية أن التشابه في أساليب الاختراق وتوقيت العمليات يشير إلى حملة سيبرانية منسقة تستهدف البنية التحتية للمياه، وليس إلى هجمات عشوائية أو منفردة.
مينيسوتا في قلب العاصفة
برزت ولاية مينيسوتا باعتبارها أكثر المناطق تضرراً، بعدما تعرض أكثر من ٣٠ نظاماً مجتمعياً لإمدادات المياه لمحاولات اختراق إلكترونية متزامنة.
ووفق المعلومات الأولية، تمكن المهاجمون من الوصول إلى أنظمة تشغيل تتحكم في:
- مضخات المياه.
- محطات المعالجة.
- أبراج وخزانات التخزين.
- محطات رفع مياه الصرف الصحي.
- أنظمة المراقبة الصناعية.
وفي بعض المواقع، فقد المشغلون القدرة على مراقبة المعدات عن بُعد، ما اضطرهم إلى إدارة العمليات يدوياً إلى حين استعادة السيطرة على الأنظمة.
ورغم خطورة الاختراقات، أكدت السلطات أن أنظمة الأمان الاحتياطية نجحت في منع أي تأثير على جودة مياه الشرب.
جورجيا.. انخفاض ضغط المياه وتحذير احترازي
وفي ولاية جورجيا، واجهت هيئة مياه مقاطعة كلايتون، التي تزود نحو ٣٠٠ ألف مشترك جنوب أتلانتا، واحدة من أبرز تداعيات الهجوم.
وأدى النشاط الإلكتروني المشبوه إلى انخفاض مؤقت في ضغط المياه داخل أجزاء من الشبكة، ما دفع السلطات إلى إصدار تحذير احترازي بغلي المياه إلى حين التأكد من استقرار النظام.
ولم تمضِ سوى ساعات حتى تمكنت فرق الهندسة من إعادة الضغط إلى مستوياته الطبيعية، فيما أثبتت الفحوصات اللاحقة أن المياه بقيت صالحة للاستخدام.
كيف نُفذت الهجمات؟
تكشف التحقيقات أن المهاجمين لم يستهدفوا قواعد البيانات أو معلومات المشتركين، بل ركزوا على أنظمة التحكم الصناعية (ICS) التي تدير البنية التشغيلية لمرافق المياه.
ووفقاً للتحذيرات الفيدرالية، تمكن المهاجمون من:
- اختراق وحدات التحكم المنطقية القابلة للبرمجة (PLCs) المتصلة بالإنترنت.
- تغيير كلمات المرور.
- تعطيل أنظمة المراقبة عن بُعد.
- إيقاف بعض وظائف الإشراف والتحكم.
- إجبار المحطات على العمل يدوياً.
كما فقد بعض المشغلين مؤقتاً القدرة على مراقبة المضخات والصمامات ومستويات الضغط داخل الشبكات.
لكن طبقات الحماية الاحتياطية حالت دون تحول الاختراقات إلى أزمة تشغيلية واسعة.
استنفار فيدرالي وتحذيرات عاجلة
أمام اتساع نطاق الهجمات، أطلقت السلطات الأمريكية استجابة مشتركة شاركت فيها:
- مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) .
- وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية (CISA) .
- وكالة حماية البيئة الأمريكية (EPA) .
ودعت الوكالات جميع مشغلي مرافق المياه إلى اتخاذ إجراءات فورية، تشمل فصل أنظمة التشغيل عن الإنترنت متى أمكن، وتغيير كلمات المرور الافتراضية، وتعزيز الجدران النارية، وتفعيل المصادقة متعددة العوامل، وتشديد الرقابة على جميع أنظمة التحكم الصناعية.
لماذا تتجه الأنظار إلى إيران؟
ورغم غياب إعلان رسمي يحمل طهران مسؤولية الهجمات، يرى المحققون أن طريقة التنفيذ تحمل بصمات مشابهة لهجمات سابقة نُسبت إلى مجموعة CyberAv3ngers، التي تربطها تقارير استخباراتية بالحرس الثوري الإيراني.
ويشير خبراء الأمن السيبراني إلى تشابه واضح في:
- استغلال أجهزة التحكم الصناعية المكشوفة على الإنترنت.
- استخدام كلمات المرور الافتراضية.
- استهداف مرافق المياه البلدية.
- التركيز على تعطيل الخدمات بدلاً من تدميرها.
- اختيار البنية التحتية الحيوية كهدف رئيسي.
وكانت الوكالات الأمريكية قد حذرت منذ مطلع عام ٢٠٢٦ من تصاعد محاولات مجموعات مرتبطة بإيران لاستهداف قطاعات المياه والطاقة والمنشآت الحكومية.
لا تلوث للمياه… لكن الخطر أكبر
ورغم أن السلطات تؤكد عدم تسجيل أي تلوث لمياه الشرب، فإن الخبراء يعتبرون ما حدث بمثابة إنذار شديد اللهجة.
فالهدف الحقيقي للهجمات لم يكن إفساد المياه، بل إثبات القدرة على الوصول إلى أنظمة التشغيل التي تتحكم في واحدة من أهم الخدمات العامة داخل الولايات المتحدة.
ويحذر مختصون من أن كثيراً من مرافق المياه لا تزال تعتمد على معدات قديمة، وأنظمة تشغيل متقادمة، وميزانيات محدودة للأمن السيبراني، ما يجعلها أهدافاً سهلة نسبياً أمام المهاجمين.
الحرب القادمة قد تبدأ بلوحة تحكم
تكشف هذه الحملة أن ساحات الصراع لم تعد تقتصر على البر والبحر والجو، بل انتقلت إلى غرف التحكم الرقمية التي تدير شبكات المياه والكهرباء والطاقة والنقل.
ففي عالم يعتمد بصورة متزايدة على الأنظمة الذكية، قد يكون اختراق شاشة تحكم قادراً على تعطيل مدينة كاملة دون إطلاق رصاصة واحدة.
ورغم نجاح أنظمة الحماية في احتواء الهجمات الأخيرة ومنع أي تهديد مباشر للصحة العامة، فإن الرسالة التي حملتها هذه العمليات كانت واضحة : البنية التحتية المدنية أصبحت في قلب معادلة الردع السيبراني، وأي ثغرة رقمية قد تتحول إلى أزمة وطنية في لحظات.








