أزمة جديدة حول مطار القليعات… ماذا حدث؟ ولماذا تحولت رخصة تشغيل الرحلات إلى معركة قانونية وإعلامية؟
بيروت –
عاد مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض (القليعات) إلى واجهة المشهد اللبناني، لكن هذه المرة ليس بسبب أعمال إعادة تأهيله أو اقتراب افتتاحه أمام الرحلات التجارية، بل بسبب جدل واسع أثاره قرار مجلس الوزراء بمنح شركة “آيبكس إير تشارتر” (IBEX Air Charter) ترخيصاً لتسيير رحلات دولية منتظمة، وهو ما فتح الباب أمام سجال قانوني وإعلامي وسياسي سرعان ما تصاعد خلال الأيام الماضية.
وفي مواجهة ما وصفته بـ”حملة تضليل وافتراءات”، خرجت الشركة ببيان تفصيلي نفت فيه بصورة قاطعة حصولها على أي امتياز احتكاري، مؤكدة أن الترخيص الذي نالته لا يشكل عقد تلزيم مع الدولة ولا يخضع لقانون الشراء العام أو لأي مناقصة عامة.
قرار حكومي… ثم عاصفة من التساؤلات
بدأت القضية بعد جلسة مجلس الوزراء في ٩ تموز ٢٠٢٦، عندما أعلن وزير الإعلام بول مرقص أن الحكومة وافقت على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل بمنح تراخيص لتسيير رحلات جوية دولية منتظمة انطلاقاً من مطار القليعات، في إطار خطة إعادة تشغيل ثاني مطار مدني في لبنان بعد مطار رفيق الحريري الدولي.
لكن الإعلان سرعان ما أثار موجة من التساؤلات عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث طُرحت علامات استفهام حول:
- هل حصلت الشركة على امتياز حصري؟
- هل كان يفترض إجراء مناقصة عامة؟
- وهل يشكل القرار مخالفة لقانون الشراء العام؟
“آيبكس إير تشارتر”: الترخيص ليس عقد تلزيم
في بيان شديد اللهجة، أكدت الشركة أن ما جرى تداوله يتضمن “مغالطات قانونية وإعلامية”، موضحة أن الترخيص الصادر عن مجلس الوزراء هو ترخيص تنظيمي لممارسة نشاط النقل الجوي الدولي المنتظم وليس عقداً لتلزيم خدمات عامة.
وأوضحت أن:
- الشركة تعمل في قطاع النقل الجوي منذ نحو عشرين عاماً.
- تمتلك شهادة مشغل جوي (AOC) صادرة عن المديرية العامة للطيران المدني.
- الترخيص لا يمنحها أي حقوق احتكارية.
- يبقى لأي شركة لبنانية تستوفي الشروط القانونية والفنية الحق في طلب ترخيص مماثل.
لماذا لا يخضع لقانون الشراء العام؟
وترتكز الشركة في دفاعها على أن نشاط النقل الجوي يخضع أصلاً لمنظومة قانونية مختلفة عن عقود التلزيم الحكومية.
فبحسب البيان، فإن تشغيل الخطوط الجوية المنتظمة يحتاج إلى:
- موافقة السلطات المختصة.
- الالتزام باتفاقية شيكاغو للطيران المدني لعام ١٩٤٤.
- التقيد بقانون تنظيم قطاع الطيران المدني اللبناني رقم ٤٨١/٢٠٠٢.
- استيفاء الشروط الفنية التي تراقبها الهيئة الناظمة للطيران المدني.
وترى الشركة أن هذه الآلية تختلف كلياً عن عقود الأشغال أو الخدمات التي تستوجب مناقصات وفق قانون الشراء العام.
الحكومة تؤكد: كل الإجراءات قانونية
وفي موازاة بيان الشركة، شدد وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني على أن جميع الإجراءات المتعلقة بمطار القليعات سارت “وفق القانون” وبعد مراجعة هيئة تنظيم الطيران المدني، نافياً وجود أي تجاوز قانوني في مسار إصدار التراخيص.
كما أكد وزير الإعلام بول مرقص عقب جلسة مجلس الوزراء أن الحكومة أقرت منح تراخيص النقل الجوي المنتظم ضمن خطة إعادة تشغيل المطار، في خطوة تعد جزءاً من مشروع وطني لتوسيع البنية التحتية الجوية في لبنان.
مطار القليعات… مشروع استراتيجي للبنان
الجدل الدائر يأتي في وقت تراهن فيه الحكومة اللبنانية على إعادة تشغيل مطار الرئيس رينيه معوض في القليعات ليصبح ثاني مطار مدني عامل في البلاد، بما يخفف الضغط عن مطار بيروت ويعزز التنمية الاقتصادية في محافظة عكار.
وكان رئيس الحكومة نواف سلام قد أكد خلال إطلاق مشروع إعادة التأهيل أن المطار يشكل مشروعاً وطنياً يهدف إلى:
- تنشيط الاقتصاد في شمال لبنان.
- خلق آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
- جذب شركات الطيران منخفضة الكلفة.
- تعزيز مرونة قطاع النقل الجوي اللبناني في ظل التحديات الأمنية والإقليمية.
وتشير الخطط الحكومية إلى أن المطار سيبدأ تدريجياً باستقبال الرحلات التجارية بعد استكمال أعمال إعادة التأهيل والحصول على الموافقات الفنية اللازمة، مع توقعات بزيادة الطاقة الاستيعابية خلال السنوات المقبلة.
معركة إعلامية قد تتحول إلى قضائية
ولم يقتصر رد “آيبكس إير تشارتر” على التوضيحات القانونية، إذ أعلنت احتفاظها بكامل حقوقها لاتخاذ الإجراءات القضائية بحق الجهات التي اعتبرت أنها نشرت معلومات كاذبة أو مضللة أضرت بسمعتها، مؤكدة أن الهدف من بيانها هو “تصويب الوقائع” ووضع حد لما وصفته بحملات التشويه.
هل ينتهي الجدل هنا؟
رغم التوضيحات الحكومية ورد الشركة، يبدو أن ملف مطار القليعات سيبقى تحت الأضواء خلال المرحلة المقبلة، خصوصاً مع اقتراب تشغيله الفعلي، وبدء منح تراخيص إضافية لشركات أخرى قد تدخل سوق الرحلات المنتظمة من شمال لبنان.
ويبقى السؤال الأبرز: هل يتحول مطار القليعات إلى بوابة جديدة للنهوض الاقتصادي اللبناني، أم أن الجدل القانوني والسياسي سيؤخر انطلاقته المنتظرة؟








