بانكوك – كان يفترض أن تكون ليلة أخرى من الموسيقى والاحتفال والضحكات في قلب العاصمة التايلاندية، لكنها انتهت خلال دقائق إلى واحدة من أكثر الكوارث دموية التي شهدتها أماكن الترفيه في البلاد خلال السنوات الأخيرة.
انطفأت الأنوار فجأة.
ثم اجتاح الدخان القاعة.
وبعدها دوّى الانفجار.
ومع بزوغ الفجر، كانت الحصيلة مأساوية: ٢٧ قتيلاً وعشرات الجرحى، فيما عادت تايلاند لتواجه أسئلة مؤلمة حول مدى التزام منشآت الترفيه بمعايير السلامة، وما إذا كانت البلاد قد تعلمت حقاً من مآسيها السابقة.
ليلة تحولت إلى جحيم في ثوانٍ
اندلع الحريق قبيل منتصف ليل الأحد داخل ملهى “رونغ بير نا لات فراو” (Rong Beer Na Lat Phrao) في منطقة تشاتوتشاك شمال بانكوك، وهي إحدى أكثر المناطق ازدحاماً بالمطاعم والمقاهي والحياة الليلية.
ويروي شهود عيان أن أعمدة الدخان بدأت تتصاعد بالقرب من منصة العروض، قبل أن تنقطع الكهرباء عن المبنى بشكل مفاجئ.
ولم تمض سوى ثوانٍ حتى انفجرت ألسنة اللهب في الواجهة الأمامية للملهى.
وسرعان ما تحولت أجواء الاحتفال إلى حالة من الذعر الجماعي، بينما اندفع مئات الزبائن نحو مخارج النجاة التي سرعان ما غمرها دخان أسود كثيف.
لكن كثيرين لم يتمكنوا من الوصول إليها.
الدخان… القاتل الصامت
وصلت فرق الإطفاء خلال دقائق، وتمكنت من السيطرة على الحريق خلال نحو نصف ساعة.
غير أن تلك الدقائق القليلة كانت كافية لتحصد عشرات الأرواح.
وأكدت السلطات أن الدخان السام انتشر بسرعة هائلة داخل المبنى المغلق، حتى انخفضت الرؤية إلى مستوى شبه معدوم، بينما وجد الموجودون أنفسهم محاصرين في ظلام دامس.
ومع تصاعد حالة الهلع، هرع عدد كبير من الضحايا إلى دورات المياه الخلفية اعتقاداً بأنها ستكون أكثر أمناً.
لكنها تحولت إلى مصيدة قاتلة.
وعندما دخلت فرق الإنقاذ إلى المبنى بعد إخماد النيران، عثرت على عدد كبير من الجثث بالقرب من تلك المرافق، في مشهد جسّد حقيقة مريرة: الدخان كان أشد فتكاً من النيران نفسها.
مخارج الطوارئ في قلب التحقيقات
تركز السلطات الآن على السؤال الأهم في هذه الكارثة:
هل كانت هناك فرصة حقيقية للهرب؟
وتشير التحقيقات الأولية إلى أن عدداً من مخارج الطوارئ كان معطلاً أو محجوباً بالأثاث وصناديق المشروبات، ما أعاق عمليات الإخلاء وأدى إلى اختناق العديد من الضحايا داخل المبنى.
كما يحقق خبراء الأدلة الجنائية في تقارير تفيد بأن مواد العزل الصوتي المستخدمة داخل الملهى كانت شديدة الاشتعال، الأمر الذي ساهم في انتشار النيران بسرعة كبيرة بمجرد وصولها إلى سقف المسرح.
ولا يزال المحققون يعملون على تحديد السبب الدقيق للحريق، إلا أن المؤشرات الأولية ترجح وجود خلل كهربائي، ربما في أحد أجهزة التكييف المثبتة في السقف أو في المعدات الكهربائية المستخدمة بالقرب من منصة العروض.
المستشفيات تحت ضغط هائل
أسفر الحريق عن إصابة ٦٣ شخصاً، بينهم ٢٢ مصاباً في حالات حرجة يعانون من حروق بالغة واختناق شديد نتيجة استنشاق الدخان.
وعملت المستشفيات في مختلف أنحاء بانكوك طوال الليل لاستقبال المصابين، بينما أنشأت السلطات مراكز طوارئ لتسجيل أسماء الضحايا ومساعدة العائلات في البحث عن أقاربهم المفقودين.
ولم تتمكن السلطات في الساعات الأولى من التعرف على هوية عدد من الضحايا، بعدما غادر كثير منهم منازلهم دون حمل وثائقهم الشخصية، أو وصلوا إلى المستشفيات فاقدي الوعي.
شبح الكوارث القديمة يعود من جديد
أعاد الحريق إلى أذهان التايلانديين ذكريات مؤلمة لم تندمل بعد.
فخلال العقدين الماضيين شهدت البلاد سلسلة من حرائق الملاهي الليلية التي خلفت عشرات الضحايا.
وكان أبرزها حريق ملهى سانتيكا في بانكوك ليلة رأس السنة عام ٢٠٠٩، الذي أودى بحياة ٦٦ شخصاً.
كما شهد شرق تايلاند عام ٢٠٢٢ حريقاً آخر في أحد الملاهي أسفر عن سقوط عشرات القتلى والجرحى.
وفي كل مرة، تعهدت السلطات بتشديد الرقابة وتعزيز إجراءات السلامة.
لكن مع مرور الوقت، كانت تلك الوعود تتراجع أمام ضعف الرقابة أو التراخي في تطبيق القوانين، لتعود المأساة وتطرح الأسئلة نفسها من جديد.
تحقيق شامل… ومحاسبة مرتقبة
سارع رئيس الوزراء التايلاندي أنوتين تشارنفيراكول إلى زيارة موقع الحادث بعد ساعات من اندلاع الحريق، مؤكداً حصيلة الضحايا، ومعلناً فتح تحقيق شامل لكشف جميع ملابسات الكارثة.
ويقوم خبراء الأدلة الجنائية حالياً بفحص الأنظمة الكهربائية، ومواد البناء، ومخارج الطوارئ، وتراخيص التشغيل، وإجراءات الإخلاء، لتحديد ما إذا كانت هناك مخالفات أو حالات إهمال ساهمت في ارتفاع عدد الضحايا.
وأكدت الحكومة أن أي تجاوزات أو انتهاكات سيتم التعامل معها بحزم، وأن جميع المسؤولين عنها سيخضعون للمساءلة القانونية.
هل تتعلم تايلاند من مآسيها؟
لم يعد حريق ملهى بانكوك مجرد قضية جنائية أو حادث عرضي، بل تحول إلى جرس إنذار جديد يعيد فتح ملف سلامة المنشآت الترفيهية في تايلاند وآسيا بأكملها.
ويحذر خبراء السلامة من أن أخطر ما في هذه الحوادث ليس النيران ذاتها، بل سلسلة الأخطاء الصغيرة التي تسبقها: أعطال كهربائية غير معالجة، مخارج طوارئ مغلقة، مواد بناء قابلة للاشتعال، وإجراءات تفتيش غير كافية.
فالقوانين وحدها لا تنقذ الأرواح، ما لم تُطبق بصرامة، وتبقى مخارج النجاة مفتوحة، وتخضع أماكن التجمعات لرقابة مستمرة.
وفي الوقت الذي يواصل فيه المحققون البحث بين أنقاض الملهى المحترق عن إجابات، لا تزال عشرات العائلات تقف أمام المستشفيات ومراكز الطب الشرعي، مترقبة خبراً قد يبدد أسوأ مخاوفها.
أما بالنسبة لتايلاند، فقد تحولت تلك الليلة إلى تذكير قاسٍ بأن الكوارث الكبرى لا تبدأ بانفجار هائل، بل غالباً ما تبدأ بخطأ صغير… ثم تتسارع الأحداث خلال دقائق، لتتحول إلى مأساة وطنية تهز ضمير البلاد بأكملها.








