رغم تثبيت إدانتها بالاختلاس… مارين لوبان تعلن: “أنا مرشحة للرئاسة”.. وفرنسا تدخل سباق ٢٠٢٧ على وقع زلزال سياسي
باريس —
كان من المفترض أن يكون الحكم نهاية مسيرتها السياسية.
لكنه قد يكون، على العكس تمامًا، بداية فصل جديد أكثر إثارة.
فبعد أشهر من الجدل، والمعارك القضائية، والتكهنات بشأن مستقبل أكثر الشخصيات إثارة للانقسام في الحياة السياسية الفرنسية، خرجت مارين لوبان أمام عدسات التلفزيون برسالة تحدٍ قلبت المشهد السياسي رأسًا على عقب.
“اعتبارًا من الليلة… أنا مرشحة للانتخابات الرئاسية.”
جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لإعادة خلط أوراق السباق نحو قصر الإليزيه.
وجاء إعلانها بعد ساعات فقط من قرار محكمة الاستئناف في باريس تثبيت إدانتها في قضية اختلاس أموال مخصصة للبرلمان الأوروبي، مع تخفيف العقوبات بطريقة أبقت الباب مفتوحًا أمام إمكانية خوضها الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام ٢٠٢٧.
بالنسبة لأنصارها، كان القرار انتصارًا للإرادة الشعبية وإنقاذًا لمسيرتها السياسية.
أما خصومها، فرأوا فيه فرصة ثانية مثيرة للجدل لسياسية أدينت في قضية تمس المال العام.
أما فرنسا، فقد وجدت نفسها فجأة أمام بداية واحدة من أكثر الحملات الرئاسية سخونة منذ عقود.
إدانة مؤكدة… لكن السباق لم ينتهِ
أكدت محكمة الاستئناف أن لوبان شاركت في إساءة استخدام الأموال المخصصة لمساعدي أعضاء البرلمان الأوروبي، ضمن نظام استمر سنوات، حيث استُخدمت تلك الأموال لتمويل موظفين يعملون لصالح حزبها داخل فرنسا بدلًا من أداء مهامهم البرلمانية الأوروبية.
ورغم تثبيت الإدانة الجنائية، خففت المحكمة العقوبة التي كانت قد صدرت عام ٢٠٢٥.
فقد خُفضت مدة السجن إلى ثلاث سنوات، بينها سنتان مع وقف التنفيذ، فيما تُنفذ السنة المتبقية تحت نظام المراقبة الإلكترونية.
غير أن القرار الأكثر تأثيرًا سياسيًا تمثل في تقليص مدة منعها من تولي المناصب المنتخبة، وهو ما قد يسمح لها قانونيًا بخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.
وبذلك، تحولت القضية التي اعتقد كثيرون أنها ستقضي على طموحاتها السياسية إلى بداية معركة انتخابية جديدة.
سوار إلكتروني… وحملة رئاسية
أحد أكثر جوانب الحكم إثارة يتمثل في احتمال أن تنفذ لوبان جزءًا من عقوبتها وهي تخضع للمراقبة الإلكترونية.
مشهد غير مسبوق في السياسة الفرنسية الحديثة؛ مرشحة رئاسية بارزة قد تخوض حملتها الانتخابية بينما لا تزال معركتها القضائية مستمرة.
لكن لوبان ترفض هذا السيناريو بالكامل.
فقد أعلنت فور صدور الحكم أنها ستطعن أمام أعلى هيئة قضائية في فرنسا، مؤكدة براءتها، ومعربة عن ثقتها بأن الحكم النهائي سيُلغي الإدانة قبل وصول الحملة الانتخابية إلى ذروتها.
وقد يؤدي الاستئناف إلى تعليق تنفيذ بعض بنود العقوبة إلى حين صدور القرار النهائي.
قضية هزّت الجمهورية
تعود جذور القضية إلى سنوات طويلة.
ويتهم الادعاء العام لوبان وعددًا من قيادات حزب التجمع الوطني بتحويل الأموال التي خصصها البرلمان الأوروبي لدفع رواتب مساعدين برلمانيين، إلى تمويل موظفين يعملون لصالح الحزب داخل الأراضي الفرنسية.
ويقول المحققون إن ملايين اليوروهات المخصصة للعمل التشريعي الأوروبي استُخدمت على مدى أكثر من عقد لدعم النشاط السياسي الداخلي للحزب.
في المقابل، نفت لوبان جميع الاتهامات منذ بداية القضية، ووصفت المحاكمة بأنها ذات دوافع سياسية، مؤكدة أن حزبها تصرف دائمًا بحسن نية.
زلزال سياسي يهز فرنسا
أحدث الحكم القضائي هزة عنيفة داخل المشهد السياسي الفرنسي.
أنصار لوبان اعتبروا أن القضاء حافظ على حق الناخبين في اختيار مرشحهم، وأن الديمقراطية انتصرت بعدم استبعاد إحدى أبرز الشخصيات السياسية من المنافسة.
أما معارضوها، فرأوا أن السماح لسياسية أدينت في قضية اختلاس أموال عامة بخوض الانتخابات يطرح تساؤلات عميقة حول النزاهة السياسية، والثقة بالمؤسسات، وحدود المساءلة القانونية.
وفي محاولة لتحقيق توازن بين تطبيق القانون وصون العملية الديمقراطية، شددت المحكمة على أن حق المواطنين في اختيار ممثليهم يجب أن يبقى عنصرًا أساسيًا في أي قرار يتعلق بالأهلية السياسية.
بارديلا… البديل الذي ينتظر
طوال الأشهر الماضية، كان حزب التجمع الوطني يستعد بصمت لسيناريو غياب لوبان.
وكان رئيس الحزب الشاب جوردان بارديلا، البالغ من العمر ثلاثين عامًا، يُنظر إليه باعتباره الوريث الطبيعي والمرشح البديل في حال مُنعت لوبان نهائيًا من الترشح.
لكن إعلانها المفاجئ قلب جميع الحسابات.
وبات مستقبل ترشيح بارديلا مرتبطًا الآن ليس بالقرار السياسي داخل الحزب، بل بما ستصدره أعلى محكمة فرنسية من حكم نهائي.
فرنسا تدخل رسميًا أجواء الانتخابات
المعركة المقبلة ستكون استثنائية بكل المقاييس.
فالرئيس إيمانويل ماكرون لا يستطيع الترشح لولاية ثالثة متتالية وفق الدستور الفرنسي، ما يضمن سباقًا مفتوحًا على قصر الإليزيه.
وقبل اندلاع أزمتها القضائية، كانت استطلاعات الرأي تضع لوبان باستمرار في مقدمة المرشحين المحتملين لخلافة ماكرون، في انعكاس للنمو المتواصل الذي حققه حزب التجمع الوطني خلال السنوات الأخيرة، بعدما انتقل من هامش الحياة السياسية إلى قلبها.
واليوم، لم تعد انتخابات ٢٠٢٧ مجرد منافسة حول الهجرة أو الأمن أو التضخم أو علاقة فرنسا بالاتحاد الأوروبي، بل أصبحت أيضًا اختبارًا لمفهوم العدالة، وحدود الديمقراطية، وشرعية العمل السياسي.
أوروبا تراقب بقلق
تداعيات القضية تتجاوز الحدود الفرنسية.
فمارين لوبان لا تزال واحدة من أبرز رموز التيار القومي في أوروبا، وأي تطور في مستقبلها السياسي ستكون له انعكاسات مباشرة على النقاشات المتعلقة بالاتحاد الأوروبي، والهجرة، وحلف شمال الأطلسي، والعلاقات مع بروكسل، والتوازنات السياسية داخل القارة.
وقد أثارت القضية ردود فعل واسعة من عواصم أوروبية عدة، كشفت حجم الانقسام بين من يعتبر الحكم انتصارًا لاستقلال القضاء، ومن يراه تدخلًا قضائيًا قد يعيد رسم المشهد السياسي الفرنسي.
المعركة تبدأ من جديد
ما كان يُنظر إليه على أنه الفصل الأخير في المسيرة السياسية لمارين لوبان، تحول فجأة إلى بداية فصل جديد أكثر سخونة.
خرجت من قاعة المحكمة وهي تحمل إدانة جنائية مؤكدة.
لكنها خرجت أيضًا وهي تحمل طموحًا رئاسيًا متجددًا.
استئناف واحد يفصلها عن الحكم النهائي.
وانتخابات واحدة قد تعيد رسم مستقبل الجمهورية الفرنسية.
وفي واحدة من أعرق الديمقراطيات الأوروبية، يبدو أن المعركة المقبلة لن تُحسم في صناديق الاقتراع وحدها، بل ستُخاض أيضًا داخل أروقة المحاكم، حيث يتقاطع القانون مع السياسة، ويصبح مستقبل فرنسا معلقًا بين حكم قضائي وإرادة الناخبين.








