بيروت — كانت عدسات الكاميرات تدور، لكن الأجواء داخل الغرفة لم تكن تشبه استوديو تلفزيوني بقدر ما كانت أشبه بغرفة عمليات حربية تُدار فيها جولة مصيرية كبرى.
في مقابلة حصرية تحبس الأنفاس مع الإعلامية كريستيان أمانبور عبر شبكة CNN، حطّم الرئيس اللبناني جوزيف عون شهوراً من الصمت الدبلوماسي. وبنبرة حاسمة، قدّم تقييماً نارياً وعالي المخاطر لبلد يترنح حرفياً على حافة الانهيار الشامل وابتلاع الحرب له. ومع تمدد ظلال حرب إقليمية مدمرة تبدو أكثر قرباً مع كل دقيقة تمر، تخطى عون المجاملات الدبلوماسية المعتادة، مفجراً سلسلة من القنابل السياسية التي بدأت أصداؤها تتردد بالفعل في أروقة صنع القرار من واشنطن إلى طهران.
الإنذار الأخير: خيط رفيع يفصل بين السلام والنار
مع الغارات الجوية الإسرائيلية المتبادلة والصواريخ المكثفة التي تضع المنطقة في حلقة مفرغة ومرعبة من التصعيد المستمر، رسم عون خطاً أحمر لا رجعة فيه في الرمال. لم يعد الأمر مجرد مناوشة محلية محصورة؛ بل أصبحنا أمام قنبلة موقوتة موصولة بـ “ساعة قيامة” توشك على الانفجار.
وجّه الرئيس إنذاراً صارماً في “ساعة الصفر” إلى كل من إسرائيل وحزب الله: إنكما تقفان عند مفترق طرق تاريخي وحاسم. طريق يقود إلى تصعيد كارثي لا يمكن كبحه، والآخر يقود إلى طاولة المفاوضات. لم يلطف عون الكلمات، بل أعلن صراحة أن الانتصار العسكري المحض هو وهم سراب، مؤكداً أن الاستراتيجية العسكرية المشتعلة الحالية لن تكسر الجمود — بل وحدها الدبلوماسية الصارمة والحاسمة قادرة على سحب المنطقة من حافة الهاوية.
اللعبة الإيرانية: لبنان كـ “ورقة مساومة“
ثم جاءت اللحظة التي أحدثت موجات صدمة عنيفة داخل السلك الدبلوماسي. فبينما صوّب الرئيس عون نظراته نحو التدخلات الإقليمية، وجّه ضربة مباشرة وغير مسبوقة للجار الإقليمي القوي في الشرق.
وفي اتهام لاذع ومؤلم لحروب الوكالة الأجنبية، كشف عون عن الواقع المرير للمأزق اللبناني قائلاً: طهران تستخدم البلاد كدرع بشري وورقة مساومة . واتهم إيران علناً بتحويل عدم الاستقرار في لبنان إلى سلاح، وتحويل دماء الشعب اللبناني وسيادة أرضه إلى أوراق ضغط خام في لعبة بوكر جيوسياسية شديدة الخطورة تلعبها مع الولايات المتحدة.
وطن يختنق في خط النار
بالنسبة للبنان، الوقت ينفد بسرعة والعداد التنازلي بدأ. رسمت كلمات عون صورة حية ومؤلمة لرئاسة — وشعب بأكمله — يختنق تحت وطأة الضغوط والقوى الخارجية. كان الإحباط ملموساً وواضحاً وهو يشرح بالتفصيل كيف يتم تفكيك الاستقرار اللبناني بشكل منهجي بفعل ديناميكيات وحسابات الوكلاء التي تقع تماماً خارج نطاق سيطرته.
لم تكن هذه مجرد مقابلة صحفية؛ بل كانت صرخة معركة شرسة ومستميتة من أجل السيادة الإقليمية. وكان توجيه عون الأخير حاسماً ولا يحتمل التأويل: يجب على لبنان أن ينتزع نفسه بقوة وبسالة من خط النار الإقليمي، وأن يستعيد بقوة مصيره المستقل عبر قنوات دبلوماسية فورية ولا تقبل المساومة.
إن قطع الشطرنج على الرقعة الشرق أوسطية تتحرك الآن أسرع من أي وقت مضى. ومع وقوف الرئيس عون مباشرة في خط المواجهة، يتبقى للعالم حبس أنفاسه ومراقبة العد التنازلي: هل تختار الأطراف طريق المفاوضات الشائك، أم أن عود الثقاب قد شُعل بالفعل ولن يوقفه شيء؟








