الرئيس الأميركي يفتح ملف سلاح حزب الله في البيت الأبيض.. والرئيس اللبناني يسعى إلى دعم واشنطن لانسحاب إسرائيلي كامل وتعزيز سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية
واشنطن —
انتقلت المواجهة المحتدمة حول مستقبل لبنان، الثلاثاء، من ساحات القتال إلى قلب البيت الأبيض، في لحظة سياسية وأمنية قد تعيد رسم موازين القوى في جنوب لبنان والمنطقة بأكملها.
فقد التقى الرئيس اللبناني جوزاف عون نظيره الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، بالتزامن مع بدء بيروت تنفيذ إطار أمني بالغ الحساسية يهدف إلى إعادة صياغة التوازنات في جنوب لبنان. ويقوم هذا الإطار على معادلة شديدة التعقيد: انسحاب إسرائيلي تدريجي، انتشار أوسع للجيش اللبناني، استعادة الدولة لسلطتها الأمنية، ونزع سلاح حزب الله وبنيته العسكرية.
وأعلن ترامب، خلال لقائه عون، أن الولايات المتحدة ستساعد لبنان بعد عقود من الحروب والاضطرابات السياسية، قائلاً إن لبنان «عومل بشكل سيئ جداً»، ومؤكداً أن واشنطن ستعمل على ضمان حصوله على الاحترام الذي يستحقه.
لكن الرئيس الأميركي أشار في الوقت نفسه مباشرة إلى ما وصفه بالعقبة الأساسية أمام استقرار لبنان، متحدثاً عن «مشكلة حزب الله».
وبالنسبة إلى عون، لم يكن اللقاء مجرد محطة دبلوماسية أو صورة في البيت الأبيض. فقد شكل اختباراً حاسماً لمدى استعداد واشنطن لتحويل دعمها السياسي للبنان إلى ضغوط فعلية، ومساعدات عسكرية، ودعم مالي ودبلوماسي، في الوقت الذي تحاول فيه الدولة اللبنانية استعادة السيطرة على أراضٍ لطالما شكل حزب الله القوة الأكثر نفوذاً فيها.
اتفاق على جبهتين: الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله
تصاعدت أهمية المشهد بعد الإعلان عن إطار اتفاق في 26 يونيو/حزيران بوساطة أميركية، يفتح الباب أمام واحدة من أكثر التسويات حساسية في تاريخ لبنان الحديث.
وينص الإطار على انسحاب إسرائيلي تدريجي من أجزاء من جنوب لبنان، بالتزامن مع توسيع انتشار الجيش اللبناني وتوليه المسؤولية الأمنية. وفي المقابل، يُنتظر من بيروت المضي نحو إزالة الأسلحة والبنية التحتية العسكرية التابعة للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة، في بند يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره موجهاً أساساً إلى حزب الله.
لكن الاختبار الحقيقي بدأ بالفعل.
فقد بدأت القوات الإسرائيلية الانسحاب من عدد من المواقع الجنوبية المحددة باعتبارها «مناطق تجريبية»، فيما بدأ الجيش اللبناني الانتشار في المناطق التي أخليت من القوات الإسرائيلية.
وتشمل المرحلة الأولى مناطق مثل فرون، صريفا، وزوطر الغربية، بينما تراقب واشنطن عن كثب ما إذا كان هذا النموذج المحدود قابلاً للتوسع ليشمل مناطق أخرى.
المعادلة تبدو بسيطة على الورق، لكنها شديدة الانفجار على الأرض.
إسرائيل تريد ضمانات أمنية وتفكيك البنية العسكرية لحزب الله. لبنان يريد انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه واستعادة الدولة سلطتها الحصرية على الأمن الوطني. أما الولايات المتحدة فتحاول جمع الهدفين داخل إطار دبلوماسي واحد.
لكن الخطر الأكبر يكمن في أن فشل أي طرف في تنفيذ الجزء المطلوب منه قد يؤدي إلى انهيار الاتفاق برمته.
عون يصل إلى واشنطن بخطة.. ومطلب واضح
شكلت زيارة جوزاف عون إلى واشنطن أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ نحو عقدين، ما منحها أهمية سياسية استثنائية.
ووصل الرئيس اللبناني إلى العاصمة الأميركية حاملاً خطة تدريجية تهدف إلى وضع كامل الأراضي اللبنانية تحت سلطة الدولة، لكنه حمل أيضاً مطلباً واضحاً إلى ترامب: الضغط لضمان استمرار الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان.
وقبل اجتماعه بالرئيس الأميركي، أجرى عون محادثات مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو.
وجاءت الرسالة الأميركية حاسمة: لا يمكن للبنان أن يحقق سلاماً دائماً ما دام حزب الله يحتفظ بقوة مسلحة خارج سيطرة الدولة.
كما حثت واشنطن بيروت على تنفيذ إطار الاتفاق وبناء حكومة قادرة على ممارسة سلطتها في مختلف أنحاء البلاد.
لكن مقاربة عون لا تبدو مجرد نسخة من الرؤية الأميركية.
فالرئيس اللبناني يؤكد مراراً أن قضية حزب الله لا يمكن حلها بالقوة وحدها. فالحزب، بحسب هذه الرؤية، ليس مجرد تنظيم عسكري، بل قوة سياسية واجتماعية متجذرة في لبنان.
ومن هنا، فإن أي محاولة لتفكيك نفوذه ستحتاج إلى استراتيجية أوسع تجمع بين الأمن والسياسة والاقتصاد، بدلاً من الاكتفاء بعملية عسكرية مباشرة.
وقد تتحول هذه النقطة تحديداً إلى خط التصدع الأبرز داخل المبادرة المدعومة أميركياً.
السؤال الأخطر: هل يمكن نزع سلاح حزب الله من دون حرب أهلية؟
على مدى عقود، امتلك حزب الله قدرة عسكرية تفوق بكثير ما تمتلكه عادة الأحزاب السياسية التقليدية.
ويبرر الحزب احتفاظه بسلاحه باعتباره ضرورياً لمواجهة إسرائيل، بينما تنظر إليه واشنطن وتل أبيب باعتباره تنظيماً مسلحاً مدعوماً من إيران، يملك قوة عسكرية تتحدى سلطة الدولة اللبنانية وتشكل تهديداً أمنياً مباشراً.
يحاول الإطار الجديد حل هذا التناقض التاريخي.
لكن السؤال الأخطر لا يزال بلا إجابة:
كيف يمكن للبنان نزع سلاح حزب الله من دون إشعال صراع داخلي جديد؟
وقد ألمح عون إلى أن العملية يجب أن تُدار من داخل لبنان، ومن خلال استراتيجية وطنية، لا عبر فرض خارجي بالقوة.
في المقابل، يتزايد الضغط على حزب الله مع توسع انتشار الجيش اللبناني في الجنوب، بينما يرفض الحزب بشدة الجهود الرامية إلى تجريده من سلاحه، وينتقد انخراط الحكومة اللبنانية المباشر في اتصالات مع إسرائيل.
كما تصاعدت الهجمات السياسية من شخصيات مرتبطة بالحزب على رئاسة الجمهورية، ما يثير مخاوف من انتقال المواجهة تدريجياً من الجبهة الجنوبية إلى قلب النظام السياسي اللبناني.
أما الجيش اللبناني، فيتحرك بحذر شديد.
فالحكومة مطالبة بإثبات أن الدولة قادرة على فرض سلطتها، من دون إشعال مواجهة مباشرة مع واحدة من أقوى القوى المسلحة والسياسية في البلاد.
وهنا تحديداً يسير جوزاف عون على حافة سياسية وأمنية بالغة الخطورة.
ترامب في قلب المعادلة: ضغط.. حماية.. وإعادة إعمار
تعتمد استراتيجية عون إلى حد كبير على الولايات المتحدة.
فبيروت تريد من واشنطن استخدام نفوذها لدى إسرائيل لضمان انسحاب كامل من الأراضي اللبنانية، كما تطالب باستمرار الدعم للقوات المسلحة اللبنانية، والحصول على مساعدات دولية لدولة أنهكتها الحروب والانهيار الاقتصادي والنزوح.
في المقابل، تريد إدارة ترامب دليلاً واضحاً على أن لبنان جاد في إنهاء القوة العسكرية المستقلة لحزب الله.
وهنا تظهر الصفقة السياسية الكبرى.
عون يطلب من واشنطن المساعدة في تعزيز الدولة اللبنانية، وفي الوقت نفسه الضغط على إسرائيل للانسحاب من الأراضي اللبنانية.
أما ترامب، فيطلب من لبنان مواجهة القضية الأكثر خطورة سياسياً في البلاد: مستقبل سلاح حزب الله.
والنتيجة معادلة دبلوماسية دقيقة، تحمل فيها كل خطوة تنازلاً ومخاطرة في آن واحد.
فإذا انسحبت إسرائيل من دون نزع سلاح حزب الله، تخشى إسرائيل أن يعيد الحزب بناء بنيته العسكرية قرب الحدود.
وإذا تحرك لبنان ضد حزب الله قبل انسحاب إسرائيلي موثوق وتوفير ضمانات أمنية واضحة، فقد تخاطر بيروت بإشعال مواجهة قد لا تكون الدولة اللبنانية قوية بما يكفي للسيطرة عليها.
أما إذا انهار الإطار بأكمله، فقد تعود المنطقة سريعاً إلى دوامة التصعيد التي حولت جنوب لبنان مراراً إلى ساحة حرب.
فرصة تاريخية أم مقامرة خطيرة؟
يأتي لقاء ترامب وعون في لحظة يتعرض فيها النظام الإقليمي القديم لضغوط استثنائية.
لبنان يحاول فرض سيادته على أراضٍ عانت الدولة تاريخياً من صعوبة ممارسة السيطرة الكاملة عليها.
إسرائيل تريد ضمانات أمنية، مع الاحتفاظ بأوراق ضغط عسكرية.
حزب الله يواجه ضغوطاً غير مسبوقة بشأن مستقبله كقوة مسلحة.
أما إيران، فلا تزال نفوذها الإقليمي عاملاً مركزياً في أي معادلة تتعلق بمستقبل الحزب.
وفي واشنطن، تحاول إدارة ترامب تحويل إطار هش لوقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية وأمنية أكثر استدامة.
لكن نجاح الخطة لن يتحدد أمام الكاميرات.
بل بعد مغادرتها.
هل سيتمكن الجيش اللبناني من توسيع سلطته؟
هل ستواصل إسرائيل انسحابها؟
هل سيقبل حزب الله بمسار سياسي قد يقلص قوته العسكرية بشكل جذري؟
وهل تستطيع الولايات المتحدة توفير الدعم المالي والعسكري والدبلوماسي الكافي لمنع ترك لبنان وحيداً أمام تداعيات هذه المواجهة؟
هذه الأسئلة ستحدد المرحلة المقبلة.
بالنسبة إلى جوزاف عون، تمثل مهمة واشنطن لحظة مفصلية قد تحدد مستقبل عهده.
وبالنسبة إلى دونالد ترامب، فهي اختبار جديد لقدرة الضغط الأميركي على تحويل هدنة ميدانية إلى إعادة ترتيب أوسع لموازين القوى في المنطقة.
أما بالنسبة إلى لبنان، فالمخاطر وجودية.
فالبلاد تقف الآن بين مستقبلين متناقضين:
مستقبل تستعيد فيه الدولة تدريجياً احتكار القوة، وتبدأ بإعادة بناء سيادتها.
أو مستقبل يفتح فيه الصراع على سلاح حزب الله فصلاً جديداً، وربما مدمراً، من تاريخ لبنان.
قد تبدو مناطق الاختبار الأولى صغيرة على الخريطة.
لكن ما سيحدث فيها قد يحدد مستقبل البلد بأكمله.








