خيط استخباراتي سري يقود إلى ضربات طهران الدقيقة
هل نقلت موسكو إلى طهران معلومات استخباراتية عن مواقع أميركية حساسة في الخليج؟ وهل ساهمت تقنيات روسية متقدمة في جعل المسيّرات الإيرانية أكثر دقة وقدرة على اختراق التشويش الإلكتروني؟
في قلب الحرب المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، بدأ سؤال أكثر خطورة يفرض نفسه على أجهزة الاستخبارات الغربية:
لم يعد السؤال فقط: إلى أي مدى تستطيع طهران أن تضرب؟
بل أصبح: من ساعدها على تحديد أين تضرب؟
ومع استمرار المواجهة الأميركية–الإيرانية واتساع رقعتها في الشرق الأوسط، تدرس أجهزة الاستخبارات الأميركية احتمال أن تكون روسيا قد زوّدت إيران بمعلومات لتحديد الأهداف، أو بيانات فضائية، أو تقنيات عسكرية متقدمة، ربما ساعدت القوات الإيرانية على استهداف منشآت استخباراتية أميركية شديدة الحساسية في الخليج.
ولا تزال واشنطن لم تتوصل إلى نتيجة علنية وحاسمة.
لكن مجرد فتح هذا التحقيق أشعل سؤالًا أكثر خطورة داخل دوائر الاستخبارات الغربية:
هل تساعد روسيا إيران سرًا في تعقّب شبكة الاستخبارات الأميركية في الشرق الأوسط؟
ضربة الرياض التي غيّرت المشهد الاستخباراتي
بدأ الإنذار الأكبر في أوائل مارس.
وبحسب تقارير صحفية، استهدفت طائرتان مسيّرتان مجمّع السفارة الأميركية في الرياض، في هجوم قيل إنه ألحق أضرارًا بمحطة تابعة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية CIA داخل المنشأة الدبلوماسية.
ولم تُسجّل إصابات بين عناصر الوكالة، لكن دلالة الهجوم كانت هائلة.
فالمسيّرات الإيرانية لم تضرب هدفًا عسكريًا بعيدًا فحسب.
لقد وصلت إلى واحدة من أكثر النقاط حساسية في منظومة الاستخبارات الأميركية في المنطقة.
ضرب سفارة أميركية ظاهرة للعلن أمر.
أما أن تصيب الضربة منشأة استخباراتية حساسة داخل المجمع نفسه، فذلك أمر مختلف تمامًا.
وبعد أيام، ظهرت تقارير تفيد بأن روسيا زوّدت إيران بمعلومات استخباراتية حول مواقع أصول عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك السفن الحربية والطائرات الأميركية.
كما أشارت تقارير أخرى إلى أن موسكو ربما ساعدت طهران في تحديد مواقع أفراد وطائرات أميركية في منطقة الخليج.
ثم جاءت تقارير جديدة أفادت بأن محللين في الاستخبارات الأميركية بدأوا يبحثون في احتمال أن يكون الدعم الروسي قد تجاوز تقديم معلومات عامة عن ساحة المعركة، ليصل إلى المساعدة في تحديد مواقع منشآت تابعة لوكالة CIA نفسها.
ولا يزال التحقيق مفتوحًا.
لكن دقة الضربات وفاعليتها رفعت مستوى الشكوك.
اللغز الأكبر: هل كانت إيران تعرف أين توجد الـCIA؟
تُعدّ منشآت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في الخارج من أكثر أسرار الأمن القومي الأميركي حماية.
فبعضها موجود داخل سفارات أميركية معروفة.
أما البعض الآخر فيعمل من خلال مكاتب غير معلنة، ومجمّعات مؤمّنة، ومراكز استخباراتية، ومواقع سرية لا تُكشف طبيعتها أو مواقعها الدقيقة.
ولهذا تحديدًا أثارت ضربة الرياض أسئلة بالغة الخطورة.
هل كانت إيران تستهدف مجمّع السفارة الأميركية بصورة عامة، وصادف أن أصابت محطة الـCIA؟
أم أن القوات الإيرانية امتلكت معلومات استخباراتية دقيقة تحدد موقع المنشأة الاستخباراتية؟
وبحسب التقارير، يدرس محللون أميركيون احتمال أن تكون روسيا قد قدّمت معلومات مرتبطة بتحديد أهداف منشآت تابعة للـCIA .
لكن مصادر مطلعة حذّرت من أن التحقيق لم يصل إلى نتيجة نهائية.
ويبقى أحد الاحتمالات المطروحة أن إيران كانت تستهدف مجمّع السفارة ككل، وليس محطة الاستخبارات تحديدًا.
غير أن الاحتمال الآخر أكثر خطورة بكثير.
فإذا ثبت أن موسكو زوّدت طهران عن علم بمعلومات مكّنتها من استهداف منشآت تابعة للـCIA، فسيعني ذلك تصعيدًا كبيرًا في مستوى التدخل الروسي في الحرب.
تقنية روسية وراء مسيّرات «شاهد» الإيرانية؟
لا يتركز التحقيق الأميركي على المعلومات الاستخباراتية وحدها.
بل يبحث أيضًا في احتمال أن تكون روسيا قد ساعدت إيران على تحسين دقة المسيّرات المستخدمة في الهجمات، وزيادة قدرتها على البقاء في الأجواء والوصول إلى أهدافها.
وأصبحت مسيّرة “شاهد-١٣٦“ واحدة من أشهر الأسلحة التي طوّرتها إيران وصدّرتها إلى الخارج.
ومنذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام ٢٠٢٢، لعبت المسيّرات ذات التصميم الإيراني دورًا بارزًا في الهجمات الروسية على المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
لكن العلاقة بين موسكو وطهران لم تعد طريقًا باتجاه واحد.
فإيران زوّدت روسيا بالمسيّرات والمساعدات العسكرية.
وفي المقابل، راكمت روسيا خبرة واسعة في الحرب بالمسيّرات، والحرب الإلكترونية، والملاحة عبر الأقمار الصناعية، والاستهداف الدقيق.
ومن بين التقنيات التي باتت في قلب الجدل نظام “كوميتا-إم” للملاحة عبر الأقمار الصناعية.
وبحسب تقارير نُسبت سابقًا إلى صحيفة وول ستريت جورنال، فإن روسيا زوّدت إيران بهذا النظام، الذي يمكن أن يساعد المسيّرات على مواصلة الملاحة في بيئات تتعرض فيها إشارات الأقمار الصناعية للتشويش أو التعطيل.
وقد نفت موسكو تلك التقارير، ووصفتها بأنها “أخبار كاذبة”.
لكن القضية عادت إلى الواجهة بعد تقارير عن العثور على أجزاء من مسيّرة إيرانية من طراز «شاهد»، تحطمت عقب محاولة استهداف منشأة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص، ويُقال إن الحطام احتوى على تقنية الملاحة الروسية.
وإذا تأكد ذلك، فقد تمنح هذه التكنولوجيا المسيّرات الإيرانية ميزة مهمة في واحدة من أكثر بيئات الحرب الإلكترونية تنافسًا في العالم.
وهنا يصبح السؤال الأميركي أكثر دقة:
هل ساعدت روسيا إيران فقط على تحسين مسيّراتها؟
أم ساعدتها أيضًا على توجيهها نحو أهداف أميركية محددة؟
الأقمار الصناعية الروسية في مواجهة شبكات الاستخبارات الإيرانية
تستند نظرية الدعم الروسي جزئيًا إلى فجوة تكنولوجية بين البلدين.
فإيران تمتلك صناعة متطورة للمسيّرات والصواريخ، كما بنت شبكات واسعة لجمع المعلومات البشرية في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وتمتلك خبرة طويلة في العمل من خلال حلفاء ومجموعات مسلحة منتشرة في المنطقة.
لكن روسيا تمتلك قدرات لم تكن إيران تملكها تاريخيًا بالحجم نفسه، ولا سيما:
- الاستخبارات الفضائية؛
- صور الأقمار الصناعية؛
- قدرات الرصد بعيدة المدى؛
- الخبرة القتالية في الاستهداف الدقيق؛
- تقنيات الحرب الإلكترونية.
ويرى محللون أن القدرات الفضائية الروسية يمكن أن تمنح طهران معلومات عن تحركات الطائرات والسفن والمنشآت العسكرية الأميركية.
لكن الخبراء يحذّرون في الوقت نفسه من افتراض أن كل ضربة إيرانية ناجحة تحتاج بالضرورة إلى مساعدة روسية.
فإيران أمضت عقودًا في بناء بنية استخباراتية واسعة في المنطقة، تشمل مصادر بشرية، ومراقبة ميدانية، وقدرات إلكترونية، وعلاقات مع جماعات مسلحة تعمل بالقرب من المنشآت الأميركية.
وبالتالي، قد لا يكون السيناريو الأكثر ترجيحًا قائمًا على خيار واحد من اثنين.
بل ربما تكون الصورة أكثر تعقيدًا:
روسيا وفّرت التفوق التكنولوجي،
وإيران وفّرت المعلومات المحلية.
الشراكة الروسية–الإيرانية التي امتدت ٢٠ عامًا
تأتي هذه الاتهامات في ظل تعمّق سريع للعلاقات بين موسكو وطهران.
ففي يناير ٢٠٢٥، وقّع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معاهدة شراكة استراتيجية شاملة تمتد ٢٠ عامًا.
وتضمنت الاتفاقية توسيع التعاون في مجالات الأمن والدفاع والتدريب العسكري والمناورات المشتركة والتنسيق بين الأجهزة الأمنية.
لكن المعاهدة لا تنشئ تحالفًا عسكريًا رسميًا، ولا تُلزم أيًا من البلدين تلقائيًا بالدفاع عن الآخر.
وهنا تكمن أهمية هذا التفصيل.
روسيا وإيران ليستا ملزمتين قانونيًا بخوض الحرب ككتلة عسكرية واحدة.
لكن البلدين يتقاسمان، بصورة متزايدة، خصمًا استراتيجيًا مشتركًا.
فكلا الحكومتين تنظران إلى الولايات المتحدة وحلفائها باعتبارهم القوة الرئيسية التي تعرقل طموحاتهما في مناطق نفوذهما.
وقد أدت الحرب في أوكرانيا إلى تسريع هذا التقارب.
إيران زوّدت روسيا بمسيّرات استُخدمت ضد أوكرانيا.
وروسيا راكمت خبرة قتالية وتقنيات وقدرات محتملة لتبادل المعلومات الاستخباراتية.
والآن، بينما تخوض إيران مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تدخل الشراكة بين موسكو وطهران اختبارها الأخطر.
حسابات موسكو: مساعدة إيران على الصمود من دون دخول الحرب
تملك روسيا أسبابًا قوية لتجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة.
لكنها تملك في المقابل أسبابًا قوية أيضًا لعدم السماح بانهيار إيران.
فاستمرار الحرب الأميركية–الإيرانية لفترة طويلة قد يؤدي إلى استنزاف الموارد العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية الأميركية بعيدًا عن أوكرانيا.
كما قد يضعف موقع واشنطن في الشرق الأوسط، ويجبر الولايات المتحدة على توزيع اهتمامها الاستراتيجي بين جبهات متعددة.
ومن وجهة نظر موسكو، قد يشكل ذلك فرصة جيوسياسية مهمة.
لذلك قد يسعى الكرملين إلى تحقيق توازن شديد الحساسية:
مساعدة إيران بما يكفي للبقاء.
ومساعدة طهران على جعل الحرب مكلفة لواشنطن.
لكن من دون تجاوز الخط الذي يقود إلى حرب روسية–أميركية مباشرة.
وهذا قد يفسر لماذا تبدو المساعدة الاستخباراتية أو نقل التكنولوجيا أكثر جاذبية لموسكو من إرسال قوات روسية إلى ساحة المعركة.
صورة قمر صناعي أقل وضوحًا من صاروخ روسي.
ونظام ملاحة أقل استفزازًا من مقاتلة روسية.
لكن كليهما قادر على تغيير مسار المعركة.
الحرب تتحول إلى معركة تكنولوجية
تكشف الاتهامات المتعلقة بالدور الروسي عن تحول أوسع في طبيعة الصراع.
فإيران لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ الباليستية والمسيّرات التقليدية.
الميدان الجديد يضم:
- صور الأقمار الصناعية؛
- الحرب الإلكترونية؛
- أنظمة الملاحة المضادة للتشويش؛
- الاستهداف الدقيق؛
- العمليات السيبرانية؛
- الاستخبارات البشرية؛
- المنشآت السرية؛
- تبادل المعلومات بين قوى متنافسة.
والنتيجة أن أهم سلاح في الحرب قد لا يكون الصاروخ نفسه.
بل قد تكون المعلومة التي تحدد للصاروخ إلى أين يذهب.
ولهذا تحاول أجهزة الاستخبارات الأميركية الإجابة عن سؤال ذي عواقب استراتيجية هائلة:
هل كانت الهجمات على منشآت الـCIA نتيجة لقدرات استخباراتية إيرانية خالصة؟
أم أنها نتاج شراكة استخباراتية روسية–إيرانية أوسع؟
الأدلة غير مكتملة… لكن القلق حقيقي
حتى الآن، لا توجد أدلة معلنة وحاسمة تثبت أن روسيا أمرت مباشرة بالهجمات على منشآت الـCIA أو تولت السيطرة عليها.
كما لم تتوصل أجهزة الاستخبارات الأميركية، وفق التقارير المتاحة، إلى نتيجة نهائية.
وقد نفت موسكو تقارير سابقة تتعلق بوجود تقنيات روسية على مسيّرات إيرانية.
كما لم تعترف إيران علنًا بتلقي معلومات روسية لتحديد مواقع منشآت استخباراتية أميركية بعينها.
وفوق ذلك، أثبتت إيران قدرتها على تنفيذ عمليات استخباراتية معقدة في مختلف أنحاء المنطقة.
لكن التحقيق الأميركي بحد ذاته يحمل أهمية كبيرة.
فمجرد قيام الأجهزة الأميركية بفحص احتمال وجود مساعدة روسية يعني أن القضية تجاوزت مجرد التكهنات في المصادر المفتوحة.
إنها باتت، وفق التقارير، موضع تقييم على مستوى الأمن القومي.
جبهة جديدة في المواجهة الأميركية–الروسية
تتصل الحرب في الشرق الأوسط بسرعة متزايدة بالحرب في أوكرانيا.
فالعلاقة العسكرية الروسية–الإيرانية نفسها التي ساعدت موسكو على تطوير واستخدام مسيّرات ذات أصل إيراني ضد أوكرانيا، قد تكون الآن تمنح طهران تكنولوجيا أو خبرات ميدانية أو معلومات استخباراتية يمكن أن تهدد القوات الأميركية في الخليج.
وفي الوقت نفسه، يواصل ماركو روبيو وسيرغي لافروف بحث الحرب في أوكرانيا.
لكن ساحة المواجهة الجيوسياسية تتسع.
من كييف إلى طهران،
ومن الرياض إلى الخليج،
تتواجه واشنطن وموسكو بصورة متزايدة عبر الشركاء والتكنولوجيا والاستخبارات.
لم يعد السؤال ببساطة ما إذا كانت روسيا وإيران تتعاونان.
فهما تتعاونان بالفعل.
السؤال الحقيقي الآن هو:
إلى أي مدى وصلت هذه الشراكة؟
وإذا كانت الاستخبارات الروسية قد ساعدت إيران فعلًا على تحديد مواقع أكثر المنشآت الاستخباراتية الأميركية حساسية في الخليج، فإن المرحلة المقبلة من الحرب قد لا تُخاض بالصواريخ والمسيّرات وحدها.
بل بسلاح أكثر خطورة بكثير:








