عاد الشرق الأوسط ليقف مرة أخرى على حافة الهاوية.
في قلب البيت الأبيض، وخلف أبواب غرفة العمليات الأكثر تحصينًا في العالم، أمضى الرئيس الأميركي دونالد ترامب أكثر من ساعتين في اجتماع مغلق مع كبار مستشاريه، يناقش اتفاقًا قد يتحول إلى أحد أخطر وأهم التفاهمات الدبلوماسية هذا العام. لكن خارج تلك الجدران السميكة، كانت الصواريخ والطائرات المسيّرة والبوارج العسكرية والجيوش المتقدمة ترسم مشهدًا مختلفًا تمامًا؛ مشهد منطقة تركض بين سلام هش وحرب إقليمية واسعة قد تشتعل في أي لحظة.
كان الجميع ينتظر قرارًا حاسمًا.
كان من المفترض أن يخرج ترامب من الاجتماع بإعلان ينهي فصول المواجهة الأميركية ـ الإسرائيلية مع إيران.
لكن ما حدث كان مختلفًا.
لا إعلان.
لا اختراق.
لا اتفاق.
فقط مزيد من الغموض والقلق.
الاتفاق الذي قد يغيّر الشرق الأوسط… أو ينهار بين ليلة وضحاها
قبل ساعات من دخوله غرفة العمليات، أوحى ترامب بأن لحظة الحسم قد اقتربت. ففي منشور مطوّل، كشف عن شروط ترى واشنطن أنها ضرورية لأي اتفاق مع طهران: ضمانات دائمة تمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وحرية كاملة للملاحة في مضيق هرمز، وترتيبات تتعلق بمخزون اليورانيوم الإيراني المخصب.
بالنسبة للإدارة الأميركية، قد يشكل هذا الاتفاق مخرجًا من حرب أرهقت الأسواق العالمية، ورفعت أسعار النفط، وأطلقت موجات من القلق بشأن احتمال اشتعال المنطقة بأكملها.
أما بالنسبة لطهران، فالقصة مختلفة تمامًا.
فقد سارع المسؤولون الإيرانيون إلى رفض ما اعتبروه تصويرًا أميركيًا مضللًا للمفاوضات. وأكدت الخارجية الإيرانية أن أي حديث عن تنازل إيران عن مستقبلها النووي أو قبولها بالشروط المطروحة لا يعكس حقيقة ما يجري خلف الكواليس.
بل إن مصادر إيرانية وصفت بعض تصريحات ترامب بأنها “خليط من الحقيقة والأكاذيب”.
وتتمحور إحدى أكثر العقد تعقيدًا حول مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. فطهران، بحسب التقارير، تطالب بإفراج مالي فوري قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة من التفاهمات، كما ترفض مزاعم موافقتها على التخلص من مخزونها من اليورانيوم المخصب.
وهكذا، دخلت المفاوضات في حالة جمود خطيرة.
الرسائل ما زالت تتنقل بين واشنطن وطهران، لكن طريق التسوية بات محاصرًا بانعدام الثقة، وتضارب المصالح، وتهديدات العودة إلى المواجهة العسكرية الشاملة.
هرمز… المضيق الذي يحبس أنفاس العالم
في قلب هذه الأزمة يقف مضيق هرمز، الشريان البحري الضيق الذي يمتلك قدرة هائلة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
فهذا الممر المائي الاستراتيجي ينقل جزءًا ضخمًا من صادرات النفط والغاز العالمية، وأي اضطراب فيه كفيل بإشعال الأسواق خلال ساعات.
ترامب ألمح إلى أن نجاح الاتفاق قد يؤدي إلى إعادة فتح حركة الملاحة بشكل كامل ورفع القيود البحرية التي عطلت حركة السفن في المنطقة.
لكن الإيرانيين يؤكدون أن القضايا الجوهرية لا تزال عالقة.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه واشنطن عن انفراج محتمل، أعلنت وسائل إعلام إيرانية أن عشرات السفن واصلت عبورها المضيق تحت إشراف عسكري مباشر، فيما وجهت طهران تحذيرًا صارمًا للسفن التابعة للدول التي تصفها بالمعادية، ملوّحة برد قاسٍ إذا تصاعدت التوترات.
الرسالة كانت واضحة:
الدبلوماسية ما زالت حية… لكن الزناد ما زال جاهزًا للضغط.
لبنان يشتعل… بينما تعجز الدبلوماسية عن اللحاق بالأحداث
وبينما كانت الأنظار تتجه نحو إيران، كانت جبهة أخرى تنفجر على بعد مئات الكيلومترات.
جنوب لبنان عاد إلى واجهة النار.
فالقوات الإسرائيلية وسّعت عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية في واحدة من أخطر موجات التصعيد منذ استئناف المواجهات هذا العام.
وأعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن قواته عبرت نهر الليطاني، ذلك الخط الذي طالما شكّل رمزًا أساسيًا في ترتيبات وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله.
ولم يكن عبور الليطاني مجرد خطوة ميدانية.
بل رسالة استراتيجية صريحة.
إسرائيل لم تعد تكتفي بخطوط الدفاع القريبة من الحدود، بل تدفع بقواتها إلى عمق أكبر داخل الأراضي اللبنانية.
في المقابل، استمرت الغارات الجوية في ضرب أهداف داخل الجنوب اللبناني، فيما توالت التحذيرات للسكان بإخلاء بلدات وقرى أنهكتها شهور طويلة من الحرب والدمار.
لكن حزب الله لم يقف مكتوف اليدين.
فقد ردّ بسلسلة من الهجمات عبر الطائرات المسيّرة استهدفت مواقع عسكرية إسرائيلية وتجمعات للقوات في شمال إسرائيل.
هذه الهجمات أعادت التذكير بحقيقة يحاول الجميع تجاهلها:
الهدنة موجودة على الورق فقط، أما الحرب فلم تتوقف فعليًا.
محادثات واشنطن… وواقع الميدان
في الوقت الذي كانت فيه الانفجارات تهز جنوب لبنان، اجتمعت وفود عسكرية إسرائيلية ولبنانية في واشنطن برعاية أميركية.
الهدف كان واضحًا لكنه بالغ الصعوبة:
منع الصراع من الانزلاق نحو كارثة إقليمية أكبر.
وكان ملف نزع سلاح حزب الله في صدارة النقاشات.
فإسرائيل تعتبر تفكيك القدرات العسكرية للحزب شرطًا أساسيًا لأي تسوية دائمة، بينما ترى بيروت أن تثبيت وقف إطلاق النار يجب أن يسبق أي خطوات سياسية أو أمنية أخرى.
لكن مع كل غارة جديدة، وكل طائرة مسيّرة تنطلق، وكل تقدم عسكري على الأرض، تصبح مهمة المفاوضين أكثر تعقيدًا.
حرب واحدة… على جبهات متعددة
لم تعد مفاوضات إيران ومعارك لبنان قصتين منفصلتين.
بل تحولتا إلى فصلين من الصراع الجيوسياسي نفسه.
فطهران تربط أي انفراج واسع بتخفيف الضغوط المفروضة على حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم حزب الله. وفي المقابل، تواصل إسرائيل تصعيد عملياتها العسكرية ضد الحزب، معتبرة أن الضغط العسكري هو الطريق الوحيد لإعادة الأمن إلى حدودها الشمالية.
وهكذا تجد واشنطن نفسها أمام معادلتين متفجرتين في وقت واحد:
إبرام اتفاق مع إيران…
ومنع لبنان من التحول إلى الشرارة التي تشعل المنطقة بأسرها.
الخطوة التالية… والشرق الأوسط ينتظر
مع حلول الليل في واشنطن، بقي العالم كله في حالة ترقب.
دخل ترامب غرفة العمليات مستعدًا لاتخاذ قرار قد يغيّر مسار الأحداث.
وخرج منها من دون توقيع.
في مضيق هرمز، ما تزال البوارج في حالة استنفار.
وفي جنوب لبنان، تواصل المدفعية والطائرات المسيّرة تبادل الضربات.
أما في عواصم الشرق الأوسط وأسواق العالم وغرف العمليات العسكرية، فالجميع يراقب المشهد بقلق.
لأن مصير المنطقة بات معلقًا بقرارات ما زالت تُناقش خلف الأبواب المغلقة.
وقرار واحد فقط… قد يدفع الشرق الأوسط نحو تسوية تاريخية، أو نحو انفجار لا يمكن لأحد التنبؤ بحدوده.








