رغم الضربات العسكرية المتكررة والتصعيد الإقليمي، لا تزال المخاوف الأمريكية بشأن قدرة إيران على استئناف برنامجها النووي قائمة، وفق تقييمات استخبارية حديثة نقلتها وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة. وتشير هذه التقديرات إلى أن العمليات العسكرية التي شهدتها إيران، بما في ذلك حرب يونيو/حزيران ٢٠٢٥ المعروفة بـ“حرب ۱٢ يوماً” والتصعيد اللاحق في فبراير/شباط الماضي، لم تُحدث تحولاً جذرياً في مسار البرنامج النووي الإيراني.
وبحسب هذه التقييمات، فإن الإطار الزمني اللازم لتمكين طهران من تطوير سلاح نووي لم يشهد تغيراً ملحوظاً منذ الصيف الماضي، على الرغم من استهداف منشآت رئيسية مثل نطنز وفوردو وأصفهان. وتُقدّر المصادر أن إيران قد تحتاج إلى نحو عام واحد لإنتاج سلاح نووي في حال اتخاذ قرار سياسي بالمضي في هذا المسار بشكل سري، مقارنة بتقديرات سابقة كانت تشير إلى فترة تتراوح بين ثلاثة وستة أشهر قبل اندلاع حرب ٢٠٢٥، ما يعكس تأثيراً مؤقتاً للعمليات العسكرية على وتيرة التقدم.
مخزون غير مُتحقق ومخاوف متجددة
وتفيد المعطيات بأن التقييمات الأمريكية لم تتغير بشكل كبير حتى بعد العمليات العسكرية الأخيرة، في ظل استمرار القلق من بقاء مخزون اليورانيوم عالي التخصيب دون رقابة كاملة. إذ لم تتمكن الوكالة الدولية للطاقة الذرية من تحديد موقع نحو ٤٤٠ كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب بنسبة ٦٠٪ ، وهو مستوى يقترب من العتبة اللازمة للاستخدام العسكري.
وتشير التقديرات إلى أن جزءاً من هذا المخزون قد يكون مخزناً داخل مجمع أنفاق تحت الأرض في مركز أصفهان للأبحاث النووية، إلا أن الوكالة لم تتمكن من التحقق من هذه المعلومات منذ تعليق عمليات التفتيش على خلفية النزاع. ويُعد هذا الغموض عاملاً رئيسياً في تغذية الشكوك حول طبيعة الأنشطة الإيرانية الحالية.

صورة بالأقمار الصناعية تُظهر مركز أصفهان للتكنولوجيا النووية في إيران (أسوشيتد برس)
هدنة هشة وضغوط متصاعدة
وعلى الرغم من التوصل إلى هدنة مؤقتة بين واشنطن وطهران في أبريل/نيسان الماضي بوساطة إقليمية، فإن التوتر لا يزال مرتفعاً في ظل استمرار الخلافات الجوهرية بين الطرفين. وتواصل الولايات المتحدة اعتماد سياسة “الضغط الأقصى”، عبر تشديد القيود الاقتصادية وتعزيز الضغوط البحرية، بهدف دفع إيران إلى القبول باتفاق نووي بشروط أكثر صرامة.
وفي هذا السياق، يرى بعض المسؤولين الأمريكيين أن استهداف الدفاعات الجوية الإيرانية قد يسهم في تقليص التهديد النووي، من خلال إضعاف قدرة طهران على حماية منشآتها الحساسة في حال قررت المضي قدماً نحو التسلح النووي.
تأثيرات غير محسومة وخيارات بديلة
في المقابل، تشير تقارير بحثية، من بينها دراسة حديثة لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إلى أن الضربات العسكرية وعمليات الاغتيال التي طالت عدداً من العلماء النوويين الإيرانيين قد خلقت حالة من عدم اليقين بشأن قدرة إيران على تطوير سلاح نووي في المدى القريب. ومع ذلك، لم تنجح هذه الإجراءات، إلى جانب الجهود الدبلوماسية، في إنهاء المخاوف الأمريكية بشكل نهائي.
ويُرجح التقرير أن إيران، رغم تمسكها ببرنامجها النووي، لا تضع تطوير سلاح نووي كأولوية فورية، بل تركز حالياً على إعادة بناء قدراتها العسكرية التقليدية، خاصة في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن تعزيز نفوذها الإقليمي وتأمين مصالحها الاستراتيجية، لا سيما في مضيق هرمز.

جانب من انفجار هز مدينة أصفهان خلال الحرب الأمريكية الإسرائلية على إيران (رويترز)
نحو برنامج أكثر سرية؟
وفي ضوء الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية المعروفة لتخصيب اليورانيوم، يرجح محللون أن تلجأ إيران إلى إعادة بناء قدراتها النووية عبر منشآت أصغر وأكثر سرية، يصعب رصدها أو استهدافها. ويعزز هذا السيناريو من تعقيد جهود الرقابة الدولية، خاصة مع تقليص وصول المفتشين الدوليين إلى المواقع النووية الإيرانية.
يُذكر أن إيران واصلت تطوير برنامجها النووي بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي عام ٢٠۱٨، والذي كان يفرض قيوداً قابلة للتحقق مقابل تخفيف العقوبات. ومنذ ذلك الحين، دخل الملف النووي الإيراني مرحلة أكثر تعقيداً، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية، وسط غموض متزايد بشأن المسار المستقبلي لهذا البرنامج.
المصدر: رويترز









