المحيطات تسجل أعلى درجات حرارة لشهر يونيو/حزيران في التاريخ… و«إل نينيو» يرفع مخاوف صدمة مناخية عالمية
باريس / واشنطن / جنيف / سيدني –
لم يأتِ التحذير هذه المرة مصحوبًا بصفارات الإنذار.
لا انفجارات.
لا مبانٍ تنهار.
ولا دخان يتصاعد عند الأفق.
فقط أرقام.
لكن الأرقام مرعبة.
في صمتٍ مقلق، سجّلت محيطات العالم، المنظّم الأكبر لمناخ الأرض والخزّان الصامت للحرارة، أعلى درجات حرارة لشهر يونيو/حزيران في التاريخ المسجّل، في مؤشر يرى العلماء أنه قد يكون بداية مرحلة أكثر خطورة في أزمة المناخ العالمية.
وفقًا لخدمتي كوبرنيكوس لمراقبة التغير المناخي وكوبرنيكوس البحرية، بلغ متوسط حرارة سطح البحار عالميًا خلال يونيو ٢٠٫٩٨ درجة مئوية، متجاوزًا الأرقام القياسية السابقة المسجلة في عامي ٢٠٢٣ و٢٠٢٤.
قد يبدو الفارق الرقمي محدودًا.
لكن في علم المناخ، هذا الرقم أشبه بجرس إنذار هائل.
من رويترز وبي بي سي وسي إن إن إلى بلومبرغ ونيويورك تايمز ووكالة فرانس برس، تتقاطع التقارير الدولية عند استنتاج واحد قاتم:
المحيطات ترتفع حرارتها بوتيرة خطيرة.
والغلاف الجوي قد يكون التالي.
فرنٌ صامت تحت الأمواج
تمتص المحيطات نحو ٩٠٪ من الحرارة الزائدة الناتجة عن انبعاثات الغازات الدفيئة، ما جعلها لعقود خط الدفاع الأول ضد الاحترار الكارثي.
لكن هذا الحاجز الطبيعي بدأ يُظهر علامات الإنهاك.
على مدى ستة أشهر متتالية في عام ٢٠٢٦، بقيت حرارة البحار عند مستويات غير مسبوقة تقريبًا، فيما اجتاحت موجات حر بحرية واسعة النطاق نحو ٨٢٪ من محيطات العالم ، وهي ثاني أعلى نسبة تُسجّل في التاريخ.
الأمر لم يعد مجرد اضطراب بيئي عابر.
إنه ارتفاع حرارة أكبر محرّك حراري على الكوكب.
وحذّر كارلو بونتيمبو، مدير خدمة مراقبة المناخ الأوروبية، قائلًا:
“الظروف الحالية قد تشير إلى بداية مرحلة جديدة تقودنا مجددًا إلى مناطق لم يسبق استكشافها.”
عبارة “مناطق غير مسبوقة” لم تعد نادرة في الخطاب العلمي.
والسبب أن التهديد التالي بدأ يتشكل بالفعل.
عودة «إل نينيو»… ومضاعفة الخطر
في أعماق المحيط الهادئ الاستوائي، ترتفع حرارة المياه بنمط يشير إلى عودة ظاهرة إل نينيو، الظاهرة المناخية القادرة على إعادة تشكيل الطقس في مختلف أنحاء العالم.
تحدث إل نينيو عندما ترتفع حرارة أجزاء واسعة من المحيط الهادئ بشكل غير اعتيادي، مطلقة كميات هائلة من الحرارة المخزنة إلى الغلاف الجوي.
تاريخيًا، ارتبط ظهورها بسلسلة من الاضطرابات المناخية الحادة:
- فيضانات مدمّرة في بيرو
- موجات جفاف قاسية في أجزاء من إفريقيا
- مواسم حرائق أكثر عنفًا في أستراليا
- عواصف أشد وأمطار غزيرة عالميًا
لكن إل نينيو هذه المرة قد يصل في ظروف مختلفة كليًا.
لأنه يصطدم بمحيطات ساخنة أصلًا.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.
وقال عالم المحيطات سايمون فان غينيب:
“من المرجح أن يكون عام ٢٠٢٦ من بين أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق.”
بعبارة أخرى:
الطبيعة تضيف وقودًا إلى حريق أشعله البشر بالفعل.
المتوسط يغلي
من أكثر المناطق إثارة للقلق البحر الأبيض المتوسط.
ففي يونيو، سجّل المتوسط حرارة قياسية بلغت ٢٤٫٣ درجة مئوية.
وخلال النصف الأول من ٢٠٢٦، شهد نحو ٩٨٪ من الحوض ظروف موجات حر بحرية.
بالنسبة لجنوب أوروبا، التداعيات فورية.
مياه أكثر دفئًا تعني رطوبة أكبر في الغلاف الجوي.
ورطوبة أكبر تعني:
- عواصف أعنف
- سيول خاطفة
- اضطرابات مناخية أكثر شراسة
وقد بلغت موجة حر بحرية في شمال غرب المتوسط مستويات قياسية، بالتزامن مع موجات حر خانقة ضربت فرنسا وإسبانيا ومناطق مجاورة.
يحذّر العلماء الآن من حقيقة مقلقة:
البحر نفسه بات يعمل كمسرّع للأزمة.
الشعاب المرجانية والحياة البحرية تحت الحصار
الخطر لا يتوقف عند درجات الحرارة.
موجات الحر البحرية قادرة على تدمير أنظمة بيئية كاملة.
الشعاب المرجانية تتبيّض.
أنماط هجرة الأسماك تنهار.
الأكسجين يتراجع.
وسلاسل الغذاء البحرية تتفكك.
الشعاب المدارية هي الأكثر هشاشة.
عندما تبقى المياه ساخنة لفترات طويلة، تطرد الشعاب الطحالب التي تمنحها الحياة واللون، فتتحول إلى هياكل بيضاء شبحية قبل أن تموت.
النتائج تمتد إلى ما هو أبعد من البحر:
- تراجع الثروة السمكية
- ضعف الحماية الساحلية
- انهيار التنوع البيولوجي
- تدهور الأمن الغذائي
بالنسبة لملايين البشر الذين تعتمد حياتهم على النظم البحرية، لم يعد الاحترار قضية علمية مجردة.
إنه تهديد اقتصادي وإنساني مباشر.
أزمة تتعمّق
في الشهر الماضي، حذّر تقييم علمي كبير للأمم المتحدة من أن محيطات العالم تدخل “أزمة متفاقمة”.
وربما كانت العبارة أقل من حجم الواقع.
فالمحيطات الساخنة لا تمتص الحرارة فقط.
إنها تتمدّد.
ومع تمدد المياه، يتسارع ارتفاع مستوى البحار، ما يزيد مخاطر الفيضانات الساحلية من ميامي إلى جاكرتا، ومن جزر المحيط الهادئ إلى موانئ المتوسط.
الخطير أن عدة حلقات من التغذية المناخية باتت تعمل في الوقت نفسه:
- ارتفاع تركيز الغازات الدفيئة
- حرارة بحرية قياسية
- عودة إل نينيو
- تصاعد موجات الحر البحرية
- تسارع ارتفاع مستوى البحار
كل عامل يغذي الآخر.
وكل حلقة تُسرّع التالية.
الحرارة لم تعد تنتظر
لسنوات، كانت تحذيرات المناخ تُصاغ بصيغة المستقبل:
سيحدث.
قد يحدث.
ربما يحدث.
هذه اللغة تختفي.
الاحترار لم يعد قادمًا.
لقد وصل.
المحيط — ذلك الكيان الهائل والعتيق الذي بدا طويلًا قادرًا على امتصاص الأذى البشري بلا حدود — يرسل اليوم إشارة واضحة لا تحتمل التأويل.
البحار تسخن أكثر من أي وقت مضى.
ومع استيقاظ إل نينيو، يخشى العلماء أن يكتشف العالم قريبًا ما يكمن خلف الأرقام القياسية الحالية.
لأنه إذا توقفت المحيطات عن حمايتنا من الحرارة…
فالحرارة ستأتي لكل شيء.








