زيلينسكي يعيد أعلى وسام بولندي إلى وارسو… وحلفاء الحرب يصطدمون بجراح التاريخ
كييف / وارسو — في الحروب، وجود الأعداء أمر متوقَّع.
لكن ما يهزّ الدول حقًا هو ظهور الشقوق بين الحلفاء.
خلال عطلة نهاية الأسبوع، اجتاحت أوروبا موجة صدمة دبلوماسية بعدما أقدم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على خطوة دراماتيكية شديدة الرمزية: أعاد وسام النسر الأبيض البولندي، أعلى وسام رسمي في البلاد، إلى وارسو.
الرسالة لم تكن عاطفية في ظاهرها.
ولم تكن انفجارية في صياغتها.
بل كانت أبرد من الغضب.
وأشدّ حدّة من الاستنكار.
ولهذا تحديدًا، كانت مدمّرة.
وكتب زيلينسكي في بيان نشره عبر قناته على تلغرام:
“كنا نعتقد أن وسام النسر الأبيض قد مُنح للشعب الأوكراني ولجيشنا عام ٢٠٢٣… واليوم أرسلت الوسام إلى رئيس بولندا.”
بهذه الكلمات، دخل واحد من أقوى التحالفات الأوروبية زمن الحرب أخطر أزماته السياسية منذ بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام ٢٠٢٢.
كان النسر الأبيض يومًا رمزًا للوحدة.
أما اليوم، فقد تحوّل إلى رمز للانقسام.
في عام ٢٠٢٣، منح الرئيس البولندي آنذاك أندجي دودا زيلينسكي هذا الوسام تقديرًا لدوره في تعزيز العلاقات البولندية–الأوكرانية، وفي الدفاع عن الديمقراطية والأمن وحقوق الإنسان خلال الحرب مع روسيا. آنذاك، كانت وارسو من أكثر داعمي كييف شراسةً، إذ فتحت حدودها، وقدّمت مساعدات عسكرية، وتحولت إلى شريان أوكرانيا الاستراتيجي نحو أوروبا.
لكن التاريخ — ولا سيما الذاكرة الملطخة بالدماء في فولينيا — لم يختفِ يومًا.
الأزمة الحالية انفجرت بعدما منحت أوكرانيا تكريمًا رمزيًا لوحدة عسكرية مرتبطة معنويًا بـ الجيش الأوكراني المتمرّد (UPA)، وهو تنظيم قومي يعود إلى حقبة الحرب العالمية الثانية. ففي أوكرانيا، يرى كثيرون في هذا الجيش حركة مقاومة ضد السوفييت. أما في بولندا، فالصورة مختلفة جذريًا، إذ يرتبط اسمه بمجازر راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين البولنديين خلال أربعينيات القرن الماضي.
ولا تزال هذه القضية واحدة من أعمق الجراح التاريخية بين البلدين.
الرئيس البولندي كارول ناوروكي ردّ بسحب وسام النسر الأبيض من زيلينسكي.
وكان القرار كفيلًا بإشعال غضب سياسي عارم في كييف.
لكن رد زيلينسكي لم يكن انفعالًا عابرًا.
بل كان ضربة محسوبة بدقة.
في أكثر مقاطع بيانه تداولًا — والأسرع انتشارًا — أطلق زيلينسكي عبارة لاذعة انتشرت كالنار عبر منصة X وتلغرام وReddit خلال ساعات:
“إذا كان هذا الرمز يمكن أن يبقى مع كاترين العظمى، وبينيتو موسوليني، وغيرهارد شرودر، فنحن في أوكرانيا لن نجادل في ذلك.”
سقطت الجملة كصاروخ.
على مواقع التواصل الاجتماعي، ركّز المستخدمون على المفارقة التاريخية المحرجة: شخصيات مثيرة للجدل مثل بينيتو موسوليني وغيرهارد شرودر احتفظت بهذا التكريم، فيما يُجرّد منه قائد يخوض حربًا دفاعًا عن أوروبا في وجه العدوان الروسي.
ووصف كثيرون رد زيلينسكي بأنه قاسٍ، جراحي، وقاتل سياسيًا.
وفي الداخل الأوكراني، تصاعدت ردود الفعل بسرعة.








