بينما كان الأوروبيون يستعدّون لأيام ربيعية هادئة، انفجرت السماء بحرارة خانقة حوّلت مدن القارة إلى ساحات ملتهبة، في موجة حر استثنائية تضرب أوروبا بعنف غير مسبوق لشهر أيار/مايو، وتدفع العلماء إلى قرع ناقوس الخطر مجدداً بشأن تسارع كارثة تغيّر المناخ.
من لندن إلى باريس، ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات صادمة، وكأن الصيف قرر اقتحام القارة مبكراً وبقوة. ففي العاصمة البريطانية، سجّلت حديقة “كيو غاردنز” جنوب غرب لندن ٣٤٫٨ درجة مئوية، محطمّة رقماً قياسياً صمد لأكثر من قرن، وسط ذهول خبراء الأرصاد الذين وصفوا ما يحدث بأنه “استثنائي حتى في ذروة الصيف”.
وأعلن مكتب الأرصاد البريطاني أن البلاد شهدت أعلى حرارة تُسجّل في شهر مايو عبر التاريخ، متجاوزة الرقم القياسي السابق بفارق درجتين كاملتين، في مشهد يعكس تحوّل الطقس الأوروبي إلى ساحة للفوضى المناخية.
الخبير البريطاني غريغ ديوهورست حذّر من أن ما يجري ليس حادثاً عابراً، بل جزء من موجة عالمية من الظواهر الجوية العنيفة التي أصبحت تضرب الكوكب بوتيرة متسارعة. وقال إن الحرارة الحالية “أعلى بكثير من المعدلات الطبيعية”، مشيراً إلى أن أوروبا تدخل مرحلة مناخية خطيرة تتكرر فيها الأرقام القياسية بصورة مرعبة.
وفي فرنسا، تحولت الشوارع إلى ممرات من اللهيب. في مدينة رين غرب البلاد، احتمت المسنّة دانييل ديبون تحت أي بقعة ظل تجدها، بينما كان العرق يتصبب منها تحت شمس مايو الحارقة، قائلة بقلق: “لن أخرج بعد الظهر”.
أما جنوب فرنسا، فكان المشهد أكثر قسوة. الحرارة لامست ٣۰ درجة مئوية في إقليم “غار”، فيما راقب مزارعو الكروم محاصيلهم بقلق مع تسارع نضوج العنب بشكل غير طبيعي، ما ينذر بمواسم زراعية مضطربة وخسائر محتملة.
هيئة الأرصاد الفرنسية أكدت أن “موجة الحر المبكرة والاستثنائية” ستواصل زحفها حتى نهاية الأسبوع، بينما رفعت السلطات حالة التأهب في عدة أقاليم، ودعت السكان إلى الحذر الشديد، خاصة أثناء ممارسة الرياضة أو التعرّض المباشر للشمس.
لكن الخطر لم يبقَ مجرد أرقام على شاشات الطقس.
ففي باريس، تحولت سباقات الجري إلى مأساة بعدما توفي أحد المشاركين بسبب الإجهاد الحراري، فيما نُقل عدد من العدّائين إلى المستشفيات في حالات طوارئ قصوى. كما لقيت شابة تبلغ ٢٨ عاماً مصرعها قرب ليون بعدما انهارت خلال مسابقة رياضية نتيجة ارتفاع حرارة جسمها بشكل قاتل.
وفي إيطاليا، بدأت السلطات اتخاذ إجراءات طارئة مع فرض قيود على العمل تحت أشعة الشمس في روما ومحيطها خلال ساعات الذروة، في محاولة لمنع وقوع مزيد من الضحايا مع استمرار تمدد الكتلة الحارة عبر جنوب أوروبا.
وتأتي هذه التطورات بينما تؤكد التقارير المناخية الأوروبية أن حرارة القارة ترتفع بوتيرة تعادل ضعفي المعدل العالمي منذ ثمانينات القرن الماضي، وأن موجات الحر أصبحت أكثر شراسة وتكراراً، في واحدة من أخطر الإشارات إلى التحولات المناخية التي تعصف بالعالم.
أوروبا اليوم لا تواجه مجرد صيف مبكر… بل إنذاراً نارياً مفتوحاً على مستقبل مناخي يزداد اضطراباً عاماً بعد عام.
المصدر: فرانس٢٤مع أ ف ب








