ترامب يعفي روسيا من العقوبات: طوق نجاة لبوتين وغضب في كييف وأوروبا
قرار ترامب يهزّ الغرب: هل يربح بوتين من أزمة الطاقة على حساب أوكرانيا؟
في خطوة تهزّ التحالف الغربي وتفتح جبهة جديدة من المواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس، وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً يعفي روسيا من بنود أساسية في حزمة عقوبات جديدة، قبل يومين من موعد دخولها حيّز التنفيذ. وبينما تبرّر واشنطن قرارها بالمصلحة الوطنية وأمن الطاقة، تخشى أوكرانيا أن يتحوّل تخفيف الضغط الاقتصادي إلى فرصة جديدة أمام فلاديمير بوتين لمواصلة الحرب.
عقوبات معلّقة… وموسكو تلتقط أنفاسها
لم يكن قانون العقوبات الذي حمل اسم السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام مجرّد تهديد اقتصادي للكرملين، بل أداة ضغط صُمّمت لتضييق الخناق على مصادر تمويل الحرب الروسية في أوكرانيا.
لكن ترامب اختار استخدام صلاحيات الإعفاء التي يتيحها القانون، معلّقاً تطبيق عدد من أبرز إجراءاته قبل الموعد المحدد لبدء تنفيذها في ۱٨ تشرين الأول.
وتضمّنت الحزمة الجديدة إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى ٥٠٠٪ على الواردات الروسية، ورسوم تصل إلى ۱٠٠٪ على سلع دول تشتري النفط والغاز الروسيين أو تساعد في الالتفاف على العقوبات، وفق شروط القانون، إلى جانب إجراءات تستهدف مسؤولين روساً وشبكات مالية وسفن ما يُعرف بـ”أسطول الظل”.
ولا يعني القرار إلغاء جميع العقوبات الأميركية المفروضة على روسيا، إذ تبقى الإجراءات السابقة قائمة ما لم تُعدَّل بصورة منفصلة.
ومع ذلك، فإن تعليق جزء أساسي من الضغط الجديد يمنح موسكو هامشاً اقتصادياً وسياسياً إضافياً، في وقت تحتاج فيه إلى الإيرادات لمواصلة تمويل حربها.
الديزل يحكم الحسابات… والحرب مع إيران تزيد الضغوط
وراء القرار حسابات تتجاوز العلاقة مع بوتين. فالبيت الأبيض يسعى إلى زيادة إمدادات الوقود وتخفيف الضغوط على الأسواق، في وقت تهدّد فيه الحرب المرتبطة بإيران حركة الطاقة العالمية، وتثير المخاوف بشأن الملاحة عبر مضيق هرمز.
وكان ترامب قد أعلن التوصل إلى تفاهم يسمح بزيادة إمدادات الديزل الروسي، في خطوة أثارت اعتراضات أوكرانية وأوروبية.
لكن زيادة الإمدادات الروسية لا تعني بالضرورة انخفاضاً كبيراً أو سريعاً في أسعار الوقود؛ إذ تتأثر الأسواق أيضاً بتكاليف الشحن والتأمين، وحجم الاضطرابات الإقليمية، والقدرة على تكرير المنتجات النفطية ونقلها.
وتكتسب المسألة أهمية سياسية داخل الولايات المتحدة، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، وسط مخاوف من أن تؤدي أسعار الطاقة المرتفعة إلى زيادة التضخم وإضعاف الجمهوريين انتخابياً.
وهنا تكمن معضلة ترامب: كيف يخفض أسعار الوقود من دون أن يمنح الكرملين فرصة لتخفيف الضغوط التي تستهدف قدرته على مواصلة الحرب؟
واشنطن تنقسم… والكونغرس يواجه اختباراً جديداً
أثار القرار اعتراضات حادة من مشرّعين أميركيين كانوا قد دعموا تشديد العقوبات على روسيا.
واتهم النائب الديمقراطي دون باير (Don Beyer) ترامب بتقويض الشراكة مع أوكرانيا وتجاهل إرادة الكونغرس، فيما اعتبرت السيناتورة إليزابيث وارن (Elizabeth Warren) أن الإعفاء يضعف الضغط على الكرملين. كما انتقد السيناتور ريتشارد بلومنثال (Richard Blumenthal) الخطوة، محذّراً من أن تخفيف القيود يمنح بوتين مكافأة بدلاً من محاسبته.
ولا يقتصر الخلاف على السياسة تجاه روسيا، بل يمتد إلى حدود السلطة التنفيذية في استخدام صلاحيات الإعفاء لتعليق إجراءات أقرّها الكونغرس بدعم من الحزبين.
ويبقى السؤال ما إذا كان المشرّعون سيتمكنون من فرض مراجعة للقرار أو إعادة تشديد الإجراءات، أم أن البيت الأبيض سيحتفظ بحرية المناورة التي يتيحها القانون.
كييف تدقّ ناقوس الخطر: هل يموّل تخفيف العقوبات استمرار الحرب؟
في أوكرانيا، لا يُنظر إلى القرار بوصفه خلافاً تجارياً عابراً، بل باعتباره تطوراً قد يؤثر في قدرة روسيا على تمويل عملياتها العسكرية.
ويخشى مسؤولون أوكرانيون أن تتيح زيادة صادرات الطاقة الروسية لموسكو موارد إضافية لشراء الأسلحة والذخائر، فيما تستمر الضربات على المدن والبنية التحتية الأوكرانية.
وانتقد أولكسندر ميريجكو (Oleksandr Merezhko)، رئيس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الأوكراني، القرار بشدة، فيما عبّر مستشار الرئاسة الأوكرانية فلاديسلاف فلاسيوك (Vladyslav Vlasiuk) عن رفضه لهذه الخطوة.
ويأتي ذلك وسط توتر متزايد بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (Volodymyr Zelenskyy)، على خلفية الهجمات المتبادلة على منشآت الطاقة، ومستقبل الدعم الأميركي لكييف.
وزادت المخاوف بعد تقارير عن اضطرابات في خدمات الاتصالات الفضائية المستخدمة عسكرياً في أوكرانيا. غير أن الصلة المباشرة بين هذه الاضطرابات وقرار العقوبات لم تثبت، ولا تزال ملابساتها موضع خلاف.
موسكو ترحّب… لكن العودة إلى النظام المالي الغربي ليست مضمونة
بالنسبة إلى الكرملين، تمثّل الخطوة فرصة لتوسيع هامش الحركة في أسواق الطاقة وتخفيف خطر العقوبات الجديدة.
ورحّب المبعوث الرئاسي الروسي كيريل دميترييف (Kirill Dmitriev) بالقرار، واصفاً إياه بأنه تطور مهم في العلاقات الاقتصادية بين واشنطن وموسكو.
لكن الطريق إلى تطبيع اقتصادي شامل لا يزال طويلاً. فالعقوبات السابقة لم تُرفع تلقائياً، والمصارف والشركات الدولية ستظل حذرة من التعاملات التي قد تصبح عرضة لإجراءات جديدة إذا تراجعت واشنطن عن إعفاءاتها.
وبذلك، لا تحصل روسيا على حصانة من العقوبات، لكنها تتفادى في الوقت الراهن طبقة إضافية من الضغوط كانت تستهدف تجارتها وقدرتها المالية.
أوروبا تراقب… وبلغاريا على خط المواجهة الاستراتيجية
تجد العواصم الأوروبية نفسها أمام معادلة صعبة: الحاجة إلى استقرار أسواق الطاقة من جهة، والخشية من أن يؤدي تخفيف العقوبات إلى إضعاف الردع الغربي في مواجهة روسيا من جهة أخرى.
وقد يدفع القرار الأوروبيين إلى تحمّل حصة أكبر من كلفة دعم أوكرانيا عسكرياً ومالياً، خصوصاً إذا تراجعت موثوقية الدعم الأميركي.
وتكتسب التطورات أهمية إضافية لدول الجناح الشرقي لحلف شمال الأطلسي، ومنها بلغاريا، حيث تتداخل أمن الطاقة مع أمن البحر الأسود والردع في مواجهة روسيا.
أما بالنسبة إلى إسرائيل والشرق الأوسط، فإن تداعيات الحرب المرتبطة بإيران والمخاطر المحيطة بمضيق هرمز تجعل أي اضطراب في إمدادات الطاقة عاملاً مؤثراً في الأسعار والتضخم. لكن الإعفاء الأميركي من العقوبات الروسية لا يشكّل بحد ذاته دليلاً على تغيير مباشر في السياسة الأميركية تجاه إسرائيل.
ثلاثة أسئلة تحدّد المرحلة المقبلة
- هل يتدخل الكونغرس؟ قد يلجأ المشرّعون إلى جلسات استماع أو إجراءات رقابية أو تشريعات جديدة، لكن قدرتهم على تغيير القرار تبقى غير محسومة.
- هل ينخفض سعر الوقود؟ يتوقف ذلك على حجم الإمدادات الفعلية وتكاليف النقل والتأمين والاضطرابات في أسواق الطاقة العالمية.
- هل يقود التقارب الاقتصادي إلى السلام؟ تراهن الإدارة الأميركية على إمكان استخدام التعاون في مجال الطاقة لفتح مسارات تفاوضية، فيما يخشى منتقدوها أن تحصل موسكو على موارد إضافية من دون تقديم تنازلات حقيقية في أوكرانيا.
هل يشتري ترامب استقرار الطاقة على حساب أوكرانيا؟
يشكّل إعفاء روسيا من بنود أساسية في قانون العقوبات تحولاً مهماً في استراتيجية الضغط الاقتصادي الأميركية على الكرملين. فبينما يراهن ترامب على مرونة أكبر في التعامل مع موسكو وتوفير الوقود للأسواق، ترى كييف وحلفاؤها أن تخفيف القيود من دون ضمانات سياسية قد يمنح بوتين وقتاً وموارد إضافية لمواصلة الحرب.
ولا تزال النتائج الاقتصادية الفعلية للقرار غير واضحة، كما لم يتبيّن ما إذا كان سيفتح الطريق أمام تسوية سياسية أو سيزيد تعقيد المفاوضات.
لكن المؤكد أن المعركة لم تعد محصورة في ساحات القتال الأوكرانية؛ إنها تمتد إلى أسعار الطاقة، والكونغرس الأميركي، وأمن أوروبا، وتوازنات الشرق الأوسط.
السؤال الذي سيلاحق واشنطن في الأسابيع المقبلة: هل ينجح ترامب في تحويل تخفيف العقوبات إلى ورقة تفاوض من أجل السلام، أم يمنح بوتين متنفساً استراتيجياً فيما تواصل أوكرانيا دفع الثمن؟








