ميته-ماريت تدخل القصر الملكي ملكةً… لكن خلف التاج تنتظرها واحدة من أصعب مراحل العائلة المالكة النرويجية
أوسلو – ٣٠ أغسطس/آب ٢٠٢٦
لم تكن ميته-ماريت تتخيل، عندما التقت ولي العهد هاكون عام ١٩٩٩، أن قصة الحب التي بدأت كحكاية “سندريلا” نرويجية ستقودها بعد ٢٧ عاماً إلى عرش البلاد وسط عاصفة من الجدل.
لكن وفاة الملك هارالد الخامس في ٢٨ أغسطس/آب، وصعود نجله هاكون إلى العرش باسم الملك هاكون الثامن، غيّرا كل شيء في لحظة واحدة.
فميته-ماريت لم تعد وليّة للعهد. أصبحت ملكة النرويج القرينة، في وقت تواجه فيه العائلة المالكة واحدة من أكثر فتراتها اضطراباً منذ عقود.
وخلف الصورة الرسمية والحداد الوطني، تبرز ثلاثة ملفات ثقيلة تهدد بإبقاء الملكة الجديدة تحت المجهر.
١ ــ شبح جيفري إبستين
أخطر الملفات وأكثرها حساسية هو بلا شك علاقة ميته-ماريت برجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين، المدان بجرائم جنسية.
كشفت الوثائق التي أفرجت عنها السلطات الأمريكية في ٢٠٢٦ عن اتصالات أكثر كثافة وطولاً مما كان معروفاً سابقاً، بينها مراسلات امتدت بين ٢٠١١ و ٢٠١٤، أي بعد إدانة إبستين في ٢٠٠٨.
وتظهر الوثائق أن ميته-ماريت أقامت في منزل إبستين في بالم بيتش لمدة أربعة أيام عام ٢٠١٣، كما تضمنت الملفات عدداً كبيراً من المراسلات بين الطرفين. ولم تُتهم الملكة بأي جريمة أو مخالفة جنائية.
الأزمة لم تكن في الكشف وحده، بل في الفجوة بين الرواية القديمة وما أظهرته الوثائق الجديدة.
وفي مارس/آذار، ظهرت ميته-ماريت إلى جانب زوجها في مقابلة مع هيئة الإذاعة النرويجية NRK، وقالت إنها شعرت بأنها تعرضت للتلاعب والخداع، وإنها نادمة على علاقتها بإبستين.
وقالت، في موقف حاولت من خلاله احتواء العاصفة، إنها تتمنى لو أنها لم تلتقِ به مطلقاً. كما اعتذرت للعائلة المالكة، ولا سيما الملك هارالد والملكة سونيا، عن الأزمة التي سببتها لهم.
لكن الاعتذار لم يُنهِ الأسئلة.
بل إن القضية تحولت إلى اختبار مباشر لصورة العائلة المالكة ومصداقيتها، خصوصاً أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجعاً في دعم النظام الملكي، وارتفاع عدد النرويجيين الذين يرون أن ميته-ماريت لم تعد مناسبة لمنصب الملكة.
٢ ــ ابنها أمام القضاء
وفي الوقت نفسه، كانت الملكة الجديدة تواجه أزمة عائلية من نوع آخر.
ابنها الأكبر ماريوس بورغ هويبي، من علاقة سابقة قبل زواجها من هاكون، خضع لمحاكمة جنائية حظيت باهتمام واسع في النرويج.
وفي يونيو/حزيران ٢٠٢٦، أُدين هويبي بارتكاب اغتصابين وعدد كبير من الجرائم الأخرى، بينها أعمال عنف، وحُكم عليه بالسجن أربع سنوات. وقد طعن في الحكم.
هويبي ليس عضواً رسمياً في العائلة المالكة ولا يحمل لقباً ملكياً، لكن قربه المباشر من الملكة جعل القضية تتحول إلى أزمة تمس القصر نفسه.
وتزامن الملف القضائي مع أزمة إبستين، ما خلق صورة شديدة الصعوبة أمام ميته-ماريت: أم تواجه محاكمة ابنها، وعضو في العائلة المالكة تواجه أسئلة حول علاقتها بإبستين في الوقت نفسه.
وتشير تغطيات إعلامية نرويجية ودولية إلى أن هذه القضايا المتزامنة ساهمت في ضرب صورة العائلة المالكة وإثارة نقاش أوسع حول مستقبل الملكية في النرويج.
٣ ــ الملكة التي خرجت للتو من معركة صحية
وكأن الفضائح وحدها لا تكفي، جاءت المعركة الصحية لتضيف طبقة ثالثة إلى الأزمة.
ميته-ماريت تعاني منذ سنوات من التليف الرئوي المزمن، وهو مرض أثّر تدريجياً في قدرتها على التنفس وأجبرها على تقليص نشاطاتها الرسمية.
وفي يونيو/حزيران ٢٠٢٦، خضعت لعملية زراعة رئة ناجحة بعد تدهور حالتها الصحية، في خطوة كانت بمثابة نقطة تحول شخصية كبيرة في حياتها.
لكن النجاح الجراحي لا يعني نهاية المعركة.
فالتعافي بعد زراعة الرئة يحتاج إلى فترة طويلة من التأهيل والمتابعة الطبية، فيما تواجه الملكة الآن انتقالاً دستورياً كبيراً إلى دور جديد يفترض حضوراً عاماً وتمثيلاً رسمياً مستمراً.
وبينما احتفلت في أغسطس/آب بمرور ٢٥ عاماً على زواجها من هاكون، كانت لا تزال في مرحلة التعافي، قبل أن تجد نفسها فجأة في قلب المشهد الملكي بعد وفاة الملك هارالد.
من حكاية سندريلا إلى اختبار التاج
قصة ميته-ماريت نفسها كانت مثيرة للجدل منذ البداية.
كانت أماً عزباء من عامة الشعب عندما التقت هاكون في مهرجان موسيقي عام ١٩٩٩. وأثار ارتباطها بولي العهد آنذاك جدلاً واسعاً بسبب ماضيها وحياتها قبل دخول القصر.
لكن الملك هارالد والملكة سونيا دعما الزواج، وتمكن الزوجان تدريجياً من كسب شعبية واسعة، وأصبحت ميته-ماريت جزءاً من صورة الملكية النرويجية الحديثة والأقل تكلفاً.
اليوم، انقلب المشهد.
فمع وفاة هارالد، فقدت العائلة شخصية كانت تتمتع بدرجة عالية من الشعبية والاستقرار، بينما دخل ابنه هاكون العرش في لحظة تتراجع فيها الثقة بالمؤسسة الملكية.
وتشير تقارير إعلامية حديثة إلى أن نحو ثلث النرويجيين أصبحوا يؤيدون فكرة إلغاء الملكية، في حين بقي النظام الملكي، رغم التراجع، مدعوماً من أغلبية أو نسبة كبيرة من السكان بحسب الاستطلاع والفترة الزمنية.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية أمام الملك هاكون:
كيف يحافظ على شعبية المؤسسة بينما تحمل الملكة الجديدة إرثاً من أكثر الفضائح حساسية، ويواجه أحد أفراد أسرته حكماً جنائياً، وتتعافى زوجته من عملية زراعة رئة كبرى؟
ملك جديد… وملكة تحت الاختبار
الملك هاكون، الذي خلف والده تلقائياً بعد وفاته، يحظى بصورة أكثر استقراراً لدى الجمهور، وقد تعهد في أول خطاب له كملك بالسير في طريقه الخاص مع الحفاظ على قيم والده المتعلقة بالديمقراطية والوحدة والانفتاح.
لكن صعوده إلى العرش لن يكون اختباراً لشخصه فقط.
إنه اختبار للعائلة بأكملها.
والسؤال لم يعد ما إذا كانت ميته-ماريت ستصبح ملكة.
لقد أصبحت ملكة بالفعل.
السؤال الأصعب الآن هو: هل تستطيع أن تستخدم التاج لإغلاق صفحة الفضائح… أم أن الفضائح ستظل تطارد التاج؟
ففي النرويج، حيث كانت الملكية تُقدَّم لعقود باعتبارها مؤسسة قريبة من الناس، متواضعة ومستقرة، تبدو المرحلة الجديدة مختلفة تماماً.
ملك جديد. ملكة مثقلة بالجدل. عائلة تحت المجهر. وجمهور بدأ يطرح السؤال الذي كان يبدو مستبعداً قبل سنوات: إلى أين تتجه الملكية النرويجية؟
والإجابة قد لا تأتي من القصر… بل من ثقة النرويجيين أنفسهم.








