في مشهدٍ بدا وكأنه مقتطع من فيلم خيال علمي، اخترقت مركبة “ستارشيب” التابعة لـ SpaceX السماء بسرعة هائلة قبل أن تعود وتهبط في مياه المحيط الهندي، بعد واحدة من أكثر الرحلات التجريبية جرأة وتعقيداً في تاريخ الشركة.
وعلى الرغم من الأعطال التي لاحقت الرحلة في لحظاتها الحرجة، دوّى التصفيق والصراخ داخل غرف التحكم، حيث ظهر موظفو “سبايس إكس” في بث مباشر يحتفلون بانتصارٍ اعتُبر خطوة جديدة نحو غزو القمر والمريخ.
الصاروخ العملاق انطلق إلى الفضاء بعد الخامسة والنصف مساءً بقليل، في رحلة حملت الكثير من المخاطر والتحديات. ومنذ اللحظات الأولى، كانت الأنظار مشدودة إلى مصير المركبة التي واجهت خللاً بأحد محركاتها خلال عملية الحرق الأولية، ما دفعها إلى الانحراف قليلاً عن المدار المخطط له.
لكن “ستارشيب” لم تستسلم.
ففي الفضاء، نفّذت المركبة سلسلة مناورات معقدة، شملت تعديل وضعيتها عمودياً وإعادة تشغيل محركاتها للتحكم بالمسار، رغم خروج أحدها عن الخدمة وسط الرحلة. كما نجحت في نشر ٢٢ قمراً اصطناعياً تجريبياً، بينها قمران مهمتهما تصوير الدرع الحرارية للمركبة وتحليل أدائها تحت أقسى الظروف.
أما الطبقة الأولى الدافعة من الصاروخ، فقد تُركت لتسقط في مياه خليج المكسيك وفق الخطة الموضوعة مسبقاً، في خطوة زادت من التوتر خلال البث المباشر الذي تابعه الملايين.
وعقب الهبوط، أعلنت الشركة عبر منصة “إكس” بلهجة احتفالية: “تم تأكيد الهبوط في المحيط!”، قبل أن تنهال التهاني على فريق المهمة بعد الاختبار الثاني عشر لـ”ستارشيب”.
بدوره، أشاد Elon Musk بالفريق، واصفاً الرحلة بأنها “ملحمية”، مضيفاً: “لقد سجلتم هدفاً للبشرية”.
الرحلة لم تكن سهلة منذ البداية، إذ كانت قد أُرجئت قبل ٢٤ ساعة فقط بعد سلسلة اضطرابات تقنية وعمليات إعادة متكررة للعد التنازلي، قبل أن يكشف ماسك أن عطلاً في الذراع الهيدروليكية لبرج الإطلاق كان وراء التأخير.
وتأتي هذه المهمة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى “سبايس إكس”، مع استعداد الشركة لدخول تاريخي إلى البورصة قد يُعدّ الأكبر في قطاع الفضاء، فيما تراقب NASA التجارب عن كثب تمهيداً لاستخدام نسخة معدلة من “ستارشيب” في بعثات العودة إلى القمر ضمن برنامج “أرتيميس”.
لكن خلف الاحتفالات، تشتعل معركة عالمية صامتة.
فالولايات المتحدة تسابق الزمن لإرسال روادها إلى القمر قبل الصين، بينما تتصاعد المخاوف داخل إدارة دونالد ترامب من تأخر المشاريع الفضائية الخاصة عن تحقيق الجداول الزمنية المطلوبة.
وفي المقابل، تدخل شركة “بلو أوريجن” Blue Origin المملوكة لـ جيف بيزوس Jeff Bezos السباق بقوة، في معركة فضائية مفتوحة قد تحدد من سيضع أول قدم بشرية على القمر في العصر الجديد.
ورغم الإنجازات، لا يزال الطريق محفوفاً بالمخاطر، إذ يؤكد خبراء أن إحدى أعقد العقبات حتى الآن تتمثل في اختبار تقنية التزوّد بالوقود في المدار، وهي خطوة لم تُختبر فعلياً في مهمات طويلة الأمد… لكنها ستكون المفتاح الحقيقي للوصول إلى المريخ.








