٣٥ رحلة تحت التهديد: هل تواجه أوروبا حملة تخريب جوي منسّقة؟
مقاتلات MiG-29 تقلع لاعتراض الطائرات… بلغاريا في قلب موجة تهديدات القنابل.
من روما وصوفيا إلى باريس ووارسو، موجة تهديدات مجهولة المصدر بقنابل على متن طائرات مدنية تُربك حركة الطيران الأوروبي، وتفرض هبوطاً اضطرارياً ومرافقة عسكرية وعمليات تفتيش واسعة. وتحقيقات تبحث في صلات محتملة بمتطرفين روس، من دون حسم المسؤولية حتى الآن.
لم تعد التهديدات التي تستهدف الطيران المدني الأوروبي حوادث أمنية متفرقة. فقد تحوّلت إلى موجة مقلقة من الإنذارات بوجود قنابل على متن طائرات ركاب، دفعت السلطات إلى تحويل مسارات رحلات، واستنفار مقاتلات عسكرية، وإخلاء طائرات وإخضاعها لعمليات تفتيش دقيقة، وسط سباق لكشف الجهة التي تقف وراء هذه البلاغات.
من فرنسا وإيطاليا إلى بلغاريا وبولندا والنمسا، وجدت شركات الطيران نفسها أمام سلسلة إنذارات مجهولة المصدر، فيما ارتفعت حالة التأهب الأمني في مطارات أوروبية عدة.
وبحسب صحيفة The Guardian، تعطّلت حركة ما لا يقل عن ٣٥ رحلة خلال الأسبوع، فيما أفادت وكالة الصحافة الفرنسية (AFP) بأن نحو ٢٠ رحلة تجارية تأثرت يوم الخميس وحده.
ورغم خطورة الإنذارات، لم تُعثر عمليات التفتيش المعلنة حتى الآن على أي متفجرات، ولم تُسجّل إصابات بين الركاب.
لكن السؤال الأخطر لم يعد ما إذا كانت هناك قنابل على متن الطائرات، بل من يشنّ هذه الحملة، ولماذا؟
مقاتلات عسكرية تعترض الطائرات… وتحويلات طارئة في الأجواء الأوروبية
شهد الخميس ٥ تشرين الثاني تصعيداً لافتاً في سلسلة التهديدات.
في فرنسا، اضطرت طائرة إيرباص A320 تابعة لشركة “إير لينغوس” (Aer Lingus)، كانت متجهة من دبلن إلى روما، إلى تغيير مسارها والهبوط في قاعدة إيفرو العسكرية شمال غربي البلاد، بعد تلقي إنذار بوجود قنبلة على متنها.
وكانت الطائرة تقلّ ۱٥۱ راكباً وستة من أفراد الطاقم. وأكدت السلطات الفرنسية سلامة جميع الموجودين على متنها، فيما باشرت فرق مكافحة المتفجرات تفتيش الطائرة.
وأقلعت مقاتلات تابعة للقوات الجوية والفضائية الفرنسية لاعتراض الطائرة ومرافقتها حتى وصولها إلى القاعدة العسكرية.
وفي إيطاليا، تعرّضت رحلة تابعة لشركة “فين إير” (Finnair)، قادمة من هلسنكي إلى روما، لتهديد مماثل، فرافقتها طائرات عسكرية إيطالية حتى هبوطها في مطار فيوميتشينو. وأكدت الشركة لاحقاً عدم العثور على أي أمر غير طبيعي.
كذلك، حُوّلت رحلة تابعة لشركة “ويز إير” (Wizz Air)، كانت متجهة من ميلانو إلى وارسو، إلى فيينا، حيث خضعت لإجراءات التفتيش الأمني.
بلغاريا تستنفر مقاتلات MiG-29 … صوفيا في قلب العاصفة
بلغاريا – استنفار جوي وأمني في مواجهة تهديدات الطيران المدني.
كانت بلغاريا إحدى أبرز بؤر التصعيد، بعدما تلقت ثلاث رحلات تابعة لشركة “رايان إير” (Ryanair)، متجهة إلى صوفيا من كوبنهاغن ومدريد ولندن، تهديدات بوجود قنابل.
وجاء الرد العسكري سريعاً، إذ دفعت القوات الجوية البلغارية بثلاث مقاتلات من طراز MiG-29 انطلقت من قاعدة غراف إغناتيفو لاعتراض الطائرات ومرافقتها.
هبطت طائرتان في مطار فاسيل ليفسكي بالعاصمة صوفيا، فيما حُوّلت الطائرة الثالثة إلى مدينة بلوفديف.
وتزامناً مع ذلك، انتشرت فرق الطوارئ وسيارات الإطفاء والإسعاف، وأُخضع الركاب والطائرات لإجراءات أمنية مشددة، من دون العثور على متفجرات.
وأكدت وزارة الدفاع البلغارية أن العملية نُفّذت ضمن ترتيبات الشرطة الجوية التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو).
وجاءت هذه التطورات بعد حوادث سابقة استهدفت رحلات متجهة إلى صوفيا، أبرزها رحلة لشركة «ويز إير» انطلقت من مطار لوتون في لندن، واضطرت إلى الهبوط في بودابست تحت مرافقة مقاتلات مجرية من طراز «غريبن».
خيط روسي مقلق… واسم حركة متطرفة في رسائل التهديد
الأكثر إثارة للقلق في التحقيقات لا يتعلق فقط بعدد الرحلات المستهدفة، بل بطبيعة الرسائل التي تلقتها المطارات وشركات الطيران.
فبحسب وكالة الصحافة الفرنسية، تضمنت رسائل إلكترونية استهدفت رحلات متجهة إلى صوفيا وروما عبارات ذات طابع كاره للنساء، وزعمت أنها صادرة عن أشخاص ينتسبون إلى الحركة الروسية المتطرفة المعروفة باسم Male State .
وتضمنت الرسائل تهديدات بتفجير طائرات محددة، مستندة إلى خطاب متطرف معادٍ للنساء.
وكانت المحاكم الروسية قد صنّفت الحركة منظمة متطرفة عام ٢٠٢۱، فيما أفادت رويترز بأن مؤسسها نفى أي تورط في هذه التهديدات.
لكن ظهور اسم الحركة لا يشكّل دليلاً على مسؤوليتها، كما لم يظهر حتى الآن أي دليل موثوق يثبت تورط الحكومة الروسية أو أجهزتها الاستخباراتية في الحملة.
ومع ذلك، يفتح هذا الخيط الباب أمام تساؤلات أمنية خطيرة: هل تستغل شبكات متطرفة ثغرات الأمن الأوروبي؟ وهل تقف وراء التهديدات جهة منسّقة، أم أن الأمر يتعلق بأعمال تقليد وتهديدات منفصلة؟
من وارسو إلى مدريد وصوفيا… نمط أوروبي يثير مخاوف الحرب الهجينة
لم تبدأ الأزمة يوم الخميس.
ففي ٣ تشرين الثاني، تلقت طائرات تابعة لشركات «رايان إير» و«LOT» و«SAS» و«ويز إير» تهديدات مماثلة، ما أدى إلى تحويل مسارات رحلات وإجراء عمليات تفتيش في حوادث شملت وارسو ومورسيا وصوفيا ووجهات أوروبية أخرى.
كما اضطرت إحدى المنشآت الجوية القريبة من وارسو إلى تعليق عملياتها مؤقتاً، ريثما استكملت الفرق الأمنية عمليات التفتيش.
وتوسعت دائرة الحوادث لتشمل شركات طيران عدة، فيما امتدت التقارير إلى فرنسا وإيطاليا وبلغاريا وبولندا والنمسا وإسبانيا ورومانيا والدنمارك والتشيك وغيرها.
وتعيد هذه التطورات إحياء المخاوف الأوروبية من أساليب الحرب الهجينة، التي لا تعتمد بالضرورة على الصواريخ أو الهجمات العسكرية المباشرة، بل تستهدف إرباك المؤسسات، وزعزعة الثقة العامة، وتعطيل البنى التحتية الحيوية عبر وسائل منخفضة التكلفة، مثل الرسائل المجهولة والإنذارات الكاذبة.
ومع ذلك، تحذّر السلطات من افتراض وجود رابط واحد بين جميع الحوادث قبل انتهاء التحقيقات.
إنذار كاذب… لكن فاتورته باهظة
حتى عندما لا تكون هناك قنبلة، يكفي تهديد واحد لإطلاق سلسلة معقدة ومكلفة من الإجراءات الأمنية.
فقد تضطر الطائرات إلى تغيير مساراتها، وإخلاء الركاب، وتفتيش الأمتعة والشحنات، فيما تُستنفَر الأجهزة الأمنية وتُعدّل جداول المطارات وشركات الطيران.
وتتكبد الشركات خسائر إضافية بسبب استهلاك الوقود، وتأخير الرحلات، وفقدان مواعيد الربط، واضطراب جداول الطواقم، فضلاً عن الأعباء التشغيلية والتعويضات المحتملة.
أما الركاب، فيجدون أنفسهم وسط حالة من القلق والانتظار، وقد يخسرون رحلات متابعة ومواعيد مهمة، أو يواجهون هبوطاً اضطرارياً في مطار لم يكن ضمن وجهتهم الأصلية.
وهنا تكمن خطورة هذه التهديدات: يمكن لرسالة إلكترونية مجهولة المصدر أن تُربك شبكة طيران دولية كاملة، حتى لو تبيّن لاحقاً أنها مجرد خدعة.
من يقف وراء التهديدات؟ التحقيقات تبحث عن الإجابة
يبقى تحديد الجهة المسؤولة اللغز الأكبر.
وتتركز التحقيقات على تحليل الرسائل الإلكترونية، وصياغتها، ومصادر إرسالها، والتوقيت الذي وردت فيه، واحتمال وجود روابط بين الجهات التي تقف وراءها.
لكن اسم «Male State» يظل خيطاً للتحقيق، وليس دليلاً قاطعاً على المسؤولية.
وعلى السلطات الأوروبية تحديد ما إذا كانت هذه الحوادث جزءاً من عملية منسّقة، أو حملة متطرفة، أو سلسلة من التهديدات المقلّدة، أو أعمالاً إجرامية منفصلة.
حتى الآن، هبطت الطائرات، ووصل الركاب إلى بر الأمان، ولم يُعثر على متفجرات.
لكن التهديد الأمني لم ينتهِ بعد.
فالسؤال الذي يواجه أوروبا اليوم لم يعد فقط: هل توجد قنابل على متن الطائرات؟ بل إلى أي مدى يمكن لرسالة كاذبة واحدة أن تُخرج عشرات الطائرات عن مساراتها، وتحوّل أجواء القارة إلى ساحة استنفار؟








