من ألمانيا إلى بريطانيا: هجمات إلكترونية تحوّل ثلاجات المتاجر إلى أفران!
أوروبا في حالة استنفار: من يعبث بدرجات حرارة الأغذية داخل المتاجر الكبرى؟
من ألمانيا ورومانيا إلى بريطانيا وبلجيكا والسويد، هجمات إلكترونية تحوّل أنظمة التبريد في المتاجر الكبرى إلى أدوات تخريب، وتتسبب بإتلاف كميات ضخمة من الأغذية، فيما يحذّر الاتحاد الأوروبي من أن ما يجري ليس حوادث معزولة.
لم تعد الهجمات الإلكترونية تستهدف المصارف والمؤسسات الحكومية وشبكات الاتصالات فحسب؛ فهذه المرة، انتقل الخطر إلى قلب الحياة اليومية: المتاجر الكبرى وثلاجاتها ومستودعات الأغذية.
في تطور أمني مقلق، تحوّلت أعطال التبريد الغامضة إلى أزمة سيبرانية عابرة للحدود، بعدما طالت هجمات إلكترونية ما لا يقل عن ۱۱ دولة أوروبية. وبينما أعلنت ألمانيا ورومانيا وبريطانيا تسجيل حوادث جديدة، تتسع دائرة المخاوف من استهداف البنية التحتية التي تحافظ على سلامة الغذاء واستمرارية إمداد الأسواق.
الأسلوب أكثر خطورة مما يبدو: قراصنة يتلاعبون عن بُعد بأنظمة التبريد، ويرفعون درجات الحرارة ويغيّرون دورات إزالة الجليد، ما يؤدي إلى تلف اللحوم والمنتجات الطازجة والمجمّدة، ويفرض على المتاجر التخلص من كميات كبيرة من مخزونها.
وأمام اتساع نطاق الحوادث، أطلق الاتحاد الأوروبي تحذيراً واضحاً: ما يحدث ليس سلسلة أعطال منفصلة، بل تهديد يستدعي استجابة جماعية وتنسيقاً أمنياً بين الدول.
ألمانيا ورومانيا وبريطانيا في دائرة الاستهداف
في ألمانيا، سُجّلت حوادث في أربعة متاجر كبرى بولايتَي شمال الراين-وستفاليا وبافاريا، بينها متجران تابعان لسلسلة CAP، ومتجر Rewe، وآخر تابع لسلسلة Edeka .
وبحسب هيئة البث الألمانية العامة ARD، تعرّضت أنظمة التبريد لتلاعب عن بُعد، أدى في إحدى الحالات إلى تحويل أجهزة التبريد إلى وضع التسخين، مع تسجيل درجة حرارة بلغت نحو ٥٠˚ درجة مئوية.
وأُتلفت كميات من البضائع، فيما فتحت الشرطة في بافاريا تحقيقاً في شبهات جرائم إلكترونية.
أما في رومانيا، فأُبلغ عن إصابة ستة فروع لمتاجر كبرى. لكن رئيس مديرية الأمن السيبراني الوطنية، دان تشيمبيان، استبعد وجود مؤشرات على تورط دولة في الهجمات، واصفاً العملية بأنها تبدو شبه احترافية محدودة المستوى، ومؤكداً عدم تسجيل اختراق لبنى تحتية أخرى.
وفي بريطانيا، رُصدت محاولات استهداف محدودة طالت شركات صغيرة لمعالجة اللحوم. وحذّر ريتشارد هورن، رئيس المركز الوطني للأمن السيبراني، من أن استغلال التقنيات الضعيفة قد يهدد سلسلة الإمدادات الغذائية بأكملها، وليس المتاجر وحدها.
بلجيكا والسويد وإيطاليا تحصي الخسائر
كانت بلجيكا من بين الدول الأكثر تضرراً، بعدما أبلغت عدة سلاسل تجارية عن أعطال في أنظمة التبريد.
وأكدت سلسلة Carrefour تسجيل مشكلات في نحو ۱٥ متجراً من أصل ٧٠٠ في البلاد، فيما واجهت متاجر تابعة لـDelhaize وColruyt وIntermarché حوادث مماثلة. وفتحت النيابة العامة الفدرالية تحقيقاً في القضية.
وفي السويد، أعلنت سلسلة Coop تأثر سبعة متاجر، نتيجة مشكلات طالت معدات تبريد متصلة بشبكات الجيل الرابع القديمة. وسارعت الشركة إلى تسريع خطة الانتقال إلى أنظمة اتصال أحدث، مؤكدة استئناف العمل بصورة طبيعية في الفروع المتضررة.
أما في إيطاليا، فقد طالت الحوادث نحو ٢٠ متجراً، بينها أربعة فروع تابعة لمجموعة Coop في صقلية، تكبّدت خسائر بآلاف اليوروهات بعد اضطرارها إلى التخلص من بضائع متضررة.
وعلى وقع هذه التطورات، عقدت حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني اجتماعات مع مسؤولي أجهزة الاستخبارات والوكالة الوطنية للأمن السيبراني، مؤكدة أن التأثير بقي محدوداً، مع استمرار حالة التأهب.
وامتدت التقارير إلى إيرلندا وفنلندا وإستونيا ولوكسمبورغ وهولندا والبرتغال، وسط تفاوت في حجم الأضرار وعدد المنشآت المتأثرة.
كيف تحوّلت الثلاجات إلى سلاح إلكتروني؟
تكمن خطورة هذه الهجمات في أنها لا تتطلب بالضرورة اختراق الشبكة المعلوماتية الرئيسية للمتجر.
فالمتاجر الحديثة تعتمد على أنظمة تحكم رقمية متصلة بالإنترنت، تتيح مراقبة درجات الحرارة وإدارة أجهزة التبريد وتنفيذ عمليات الصيانة عن بُعد.
لكن هذه التكنولوجيا قد تتحول إلى نقطة ضعف عندما تكون أجهزتها قديمة، أو كلمات مرورها ضعيفة، أو منافذ الاتصال الخاصة بها مكشوفة أمام الإنترنت.
ومن خلال استغلال هذه الثغرات أو بيانات الدخول المخترقة، يستطيع المهاجمون تغيير إعدادات التبريد وتشغيل دورات إزالة الجليد، بل والتلاعب بالإنذارات في بعض الحالات، بما يسمح بارتفاع الحرارة قبل اكتشاف المشكلة.
وكانت فرنسا قد شهدت في ۱۱ و۱٢ تشرين الأول الماضي موجة واسعة من الهجمات التي طالت مئات المتاجر، وأدت إلى اضطرابات كبيرة في أنظمة التبريد. وسُجّلت درجات حرارة وصلت إلى نحو ٥٠˚ درجة مئوية في بعض الحالات، فيما بلغ أحد التقارير ٨٠˚ درجة.
وطالت الحوادث متاجر تابعة لعلامات تجارية كبرى، بينها Carrefour وIntermarché وE.Leclerc وMonoprix وNetto وCoopérative U .
كما حذّرت الوكالة الفرنسية للأمن السيبراني من ثغرات في عائلات من أجهزة التحكم بالتبريد المرتبطة بشركتَي Danfoss الدنماركية وCopeland الأميركية.
وتعيد الهجمات الجديدة طرح السؤال الأصعب: لماذا بقيت هذه الأنظمة مكشوفة رغم الإنذارات والتحذيرات السابقة؟
هل تصل الهجمات إلى الولايات المتحدة؟
لم تعد المخاوف محصورة بالقارة الأوروبية.
فالمتاجر الأميركية تعتمد بدورها على تقنيات مشابهة لإدارة أنظمة التبريد، ما يثير تساؤلات حول إمكانية استغلال الثغرات نفسها داخل الولايات المتحدة.
وسلّط تحقيق نشره موقع Axios الضوء على تطور لافت، يتمثل في فحص وزارة الدفاع الأميركية حوادث إلكترونية مشتبه بها طالت أنظمة التبريد في ستة متاجر تابعة للمؤسسات العسكرية الأميركية خلال آب الماضي.
وتثير هذه الوقائع تساؤلات حول أوجه التشابه المحتملة بين الحوادث الأميركية والأوروبية، لكن لم يثبت حتى الآن وجود رابط مباشر بينها أو جهة واحدة تقف وراءها.
ولا تقتصر المخاطر على المتاجر؛ فالمستودعات الغذائية ومصانع التصنيع الغذائي ومراكز التوزيع والمنشآت العسكرية تعتمد جميعها على أنظمة تشغيل صناعية متصلة بالشبكات الرقمية.
وأي اختراق ناجح قد يتجاوز خسائر البضائع ليؤثر في استمرارية الخدمات والإمدادات الأساسية.
بروكسل تتحرك: الهجمات ليست حوادث معزولة
أمام هذا التصعيد، تحرك الاتحاد الأوروبي لتنسيق المواجهة.
وفي ٣ تشرين الثاني، عقدت المفوضية الأوروبية اجتماعات تنسيقية بمشاركة الوكالة الأوروبية للأمن السيبراني (ENISA) ووكالة الشرطة الأوروبية (Europol) والسلطات الوطنية، بهدف تعزيز تبادل المعلومات ورفع مستوى الاستعداد لمواجهة هجمات مماثلة.
لكن السؤال الأخطر لا يزال بلا جواب: من يقف وراء هذه العمليات؟
لم تعلن أي مجموعة مسؤوليتها، ولم يتمكن المحققون من إثبات أن هجمات تشرين الأول في فرنسا وهجمات تشرين الثاني في بقية الدول الأوروبية تنفذها الجهة نفسها.
وفي حين استبعد المسؤول الروماني وجود مؤشرات على تورط دولة، طُرحت فرضيات تتراوح بين التخريب الإجرامي والعمليات الإلكترونية ذات الدوافع السياسية.
كما أثار بعض الباحثين احتمال وجود جهة قرصنة مرتبطة بروسيا، لكن لا يوجد دليل مثبت يحمّل الحكومة الروسية مسؤولية هذه الهجمات.
حتى الآن، لا تزال هوية المهاجمين ودوافعهم مجهولة.
ثغرة صغيرة… وخسائر تهدد الأمن الغذائي
تكشف هذه الحوادث عن مشكلة أوسع تواجه الاقتصادات الحديثة: الاعتماد المتزايد على أنظمة تشغيل صناعية متصلة بالإنترنت، من دون توفير الحماية الكافية لها.
فأنظمة التبريد ليست مجرد تجهيزات تجارية؛ إنها جزء أساسي من منظومة سلامة الغذاء، ومنع الهدر، وضمان وصول المنتجات الأساسية إلى ملايين المستهلكين.
وتوصي الوكالة الفرنسية للأمن السيبراني بعدم إبقاء أجهزة التحكم المتأثرة مكشوفة مباشرة أمام الإنترنت، مع ضرورة تحديث البرامج الثابتة، وتغيير كلمات المرور الافتراضية، وتقييد الوصول عن بُعد، واستخدام شبكات افتراضية خاصة وآمنة (VPN) .
كما حذّرت شركة Danfoss من ضرورة عزل أنظمة التبريد عن الاتصال المباشر بالإنترنت، وتحديث تجهيزاتها باستمرار.
ولا يكفي أحياناً إعادة تشغيل الأجهزة أو ضبطها من جديد، إذا بقيت الثغرة الأمنية الأساسية من دون معالجة.
أوروبا أمام جبهة حرب جديدة
حتى الآن، لا تعني هذه الهجمات أن رفوف المتاجر الأوروبية ستفرغ بالكامل، إذ استأنفت غالبية المنشآت المتضررة عملها أو بدأت استعادة عملياتها الطبيعية.
لكن الرسالة الاستراتيجية باتت واضحة: لم تعد الحروب السيبرانية تستهدف البيانات والأموال فقط، بل باتت قادرة على إحداث أضرار مادية مباشرة في البنية التحتية التي تقوم عليها الحياة اليومية.
فجهاز تحكم صغير، ضعيف الحماية، قد يتسبب بإتلاف آلاف اليوروهات من الأغذية، وتعطيل أعمال المتاجر، وإرباك سلاسل الإمداد، من دون إطلاق صاروخ واحد أو استهداف منشأة عسكرية.
وبينما تسابق بروكسل الزمن لتعزيز دفاعاتها، يبقى السؤال الذي يثير القلق في أوروبا والعالم:








